حكايات ميرا

كنت راجع أضرب بنتي وأحاسبها على 32 ألف جنيه لكن أول ما شفتها، حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
كانت قاعدة لوحدها قدام المدرسة، لابسة يونيفورم قديم وجزمة مقطوعة من تحت، وبتاكل نص رغيف عيش ناشف.
والأغرب؟
لما خلصت، خبّت النص التاني في شنطتها.
وقفت بعيد وأنا مش قادر أتحرك.
أنا كنت لسه محوّل لأمي 32 ألف جنيه قبلها بأربع أيام، وهي قالتلي إن بنتي صرفتهم على حاجات ملهاش لازمة.
قالت إنها بقت مبذرة
وإنها بتخرج مع ولد مش كويس
وإنها محتاجة حد يربيها قبل ما تضيع.
كنت مصدقها.
لحد ما شفت بعيني بنتي وهي بتحسب كام جنيه في جيبها قدام عربية أكل، وبعدين تمشي من غير ما تشتري حاجة.
قربت منها وأنا غضبان ومكسور في نفس الوقت.
أول ما شافتني، جريت عليّا وحضنتني.
وبصوت واطي قالت
بابا أنا افتكرت إنك مبقتش بتحبني.
الجملة دي كانت كفيلة إنها تقتل كل الغضب اللي جوايا.
بس بعدها سألت نفسي
لو بنتي فعلًا بددت 32 ألف جنيه ليه كانت بتخبّي نص رغيف علشان تاكله بالليل؟
في اللحظة دي، مكنتش عارف إن الإجابة هتخليني أراجع كل جنيه بعتّه لأمي خلال آخر خمس سنين.
والأخطر من كده
إن أول ورقة شفتها في ملف بنتي في المدرسة، خلتني أعرف إن اللي اتسرق مش فلوسي بس
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا رجعت البيت وأنا حاسس إن دماغي هتنفجر.
بنتي كانت نامت، لكن أنا مقدرتش أنام.
فضلت أبص في موبايلّي على التحويلات اللي كنت ببعتها لأمي كل شهر.
32 ألف هنا
و ألف هناك
ومصاريف مدرسة بنتي
وعلاجها
وهدومها
كل ما أقلب في الحساب، الرقم كان بيكبر قدامي.
لكن الحاجة اللي كانت بتوجعني أكتر، إن بنتي نفسها كانت عايشة كأن مفيش حد بيصرف عليها.
تاني يوم الصبح، استنيت لحد ما بنتي راحت المدرسة،
وقررت أروح لأمي.
أول ما دخلت، قالتلي وهي متضايقة
إنت جيت ليه بدري كده؟
بصتلها من غير ما أرد.
وبعدين قلت
الفلوس اللي بعتها لك من أربع أيام راحت فين؟
اتوترت لحظة، وبعدها ردت بسرعة
صرفناها على البنت، زي ما قلتلك.
ضحكت ضحكة قصيرة من كتر الصدمة.
على بنتي؟
أيوه، على بنتك.
طلعت موبايلي وحطيته قدامها.
طب وريني.
وشها اتغير.
وريني إيه؟
أي حاجة تثبت إن ال ألف جنيه اتصرفوا على بنتي.
سكتت.
ولأول مرة في حياتي، شوفت أمي مش عارفة ترد عليّا.
لكنها فجأة انفجرت
إنت بقى هتشكك في أمك عشان بنت مدلعة؟! دي بنتك بقت كدابة ومبذرة، وأنا اللي شايلة تربيتها!
قربت منها وقلت بهدوء
أنا شفتها امبارح.
سكتت.
شفتها وهي بتاكل نص رغيف ناشف قدام المدرسة وبتخبي النص التاني عشان تاكله بالليل.
وشها اصفر.
كملت
بنتي اللي بتقولي عليها مبذرة كانت واقفة قدام عربية أكل بتحسب الفلوس اللي في جيبها ومش قادرة تشتري حاجة.
أمي بدأت تتكلم بسرعة
يمكن كانت بتعمل كده عشان تلفت نظرك
قاطعتها
وهي كمان كانت بتلبس جزمة مقطوعة؟
سكتت.
وهي كمان كانت بتخاف تطلب مني فلوس؟
مفيش رد.
طلعت ورقة من شنطتي.
عارفة دي إيه؟
بصت للورقة.
كانت كشف مصروفات المدرسة.
لكن كان فيه بند واحد خلاني أحس ببرودة في إيدي
مساعدة غذائية عاجلة للطالبة.
وتحتها ملاحظة من الأخصائية الاجتماعية
الطالبة ترفض الإفصاح عن سبب عدم وجود طعام كافٍ في المنزل، وتطلب فقط عدم إخبار والدها حتى لا يغضب.
بصيت لأمي.
بنتي كانت بتخاف مني؟
قالت بسرعة
أنا عمري ما قلتلها تخاف منك!
وقتها فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد فلوس.
أخذت نفس طويل وقلت
بكرة هروح المدرسة بنفسي وأقابل الأخصائية.
أمي حاولت تمنعني.
لكن قبل ما أخرج، سمعت صوتها ورايا
لو روحت المدرسة هتعرف حاجات مش هتعجبك.
وقفت مكاني.
لفيت وبصيتلها.
زي إيه؟
فضلت ساكتة.
وبعدين قالت جملة خلتني أرجع خطوتين
زي إن بنتك كانت بتشتغل بعد المدرسة.
اتجمدت.
بتشتغل؟!
هزت رأسها.
أيوه عشان تساعد في مصاريف البيت.
حسيت إن نفسي اتقطع.
بنتي اللي كنت فاكر إنها بتضيع فلوسي
كانت بتحاول تجيب فلوس للبيت!
لكن السؤال اللي ضرب في دماغي فورًا كان
ليه بنتي كانت بتشتغل أصلًا وأنا ببعت لأمي عشرات الآلاف كل شهر؟
خرجت من البيت وأنا لأول مرة أشك إن ال ألف جنيه كانوا مجرد بداية.
لأن لو أمي كانت بتاخد فلوسي بحجة إنها بتصرف على بنتي
فمين كان بياخد باقي الفلوس؟
وليه ملف بنتي في المدرسة كان فيه ورقة تانية متدبسة ورا التقرير
ورقة مكتوب عليها اسم شخص أنا عمري ما سمعت عنه؟
يتبعرجعت المدرسة تاني يوم الصبح، وأنا مش عارف أبدأ كلامي مع الأخصائية منين.
أول ما شافتني، قفلت الملف اللي قدامها وقالت
حضرتك والد البنت؟
قلت
أيوه.
بصتلي شوية، وبعدين قالت
كنت مستنياك من زمان.
الكلمة دي وقعت عليّا زي الصدمة.
مستنياني ليه؟
فتحت الملف وحطته قدامي.
بنتك بقالها شهور بتيجي المدرسة من غير مصروف، وأحيانًا من غير أكل. ولما كنا بنسألها، كانت بتقول إن كل حاجة كويسة.
قلبي وجعني.
طب ليه محدش كلمني؟
الأخصائية سكتت لحظة وقالت
كنا بنتصل بالرقم المسجل عندنا.
طلعت ورقة صغيرة.
بصيت فيها.
الرقم اللي مكتوب كان رقم أمي.
اتنفضت مكاني.
أمي؟!
هزت رأسها.
كل مرة كنا بنتصل، كانت بتقول إن حضرتك مسافر ومشغول، وإن البنت تحت رعايتها وإن مفيش أي مشكلة.
حسيت إني مش قادر آخد نفسي.
طب والورقة اللي ورا الملف؟ الورقة اللي فيها اسم شخص غريب؟
الأخصائية بصتلي باستغراب.
حضرتك عرفت عنها إزاي؟
أمي قالتلي إن بنتي كانت بتشتغل.
سكتت ثواني.
وبعدين فتحت درج مكتبها وطلعت ورقة تانية.
إحنا اكتشفنا إن بنتك كانت بتشتغل بعد المدرسة فعلًا لكن مش علشان تساعد في مصاريف البيت.
بصيتلها.
أمال ليه؟
قالت
كانت بتحوش الفلوس.
بتحوشها ليه؟
مدتلي الورقة.
وكان مكتوب عليها اسم محل، وتحته مبلغ متجمع شهر ورا شهر.
وفي آخر الورقة جملة بخط بنتي
فلوس بابا لازم تفضل لحد ما أقدر أرجعله.
حسيت إن إيدي بدأت ترتعش.
ترجعلي إيه؟
الأخصائية قالت بهدوء
بنتك كانت فاكرة إنك غضبان منها بسبب الفلوس.
مين قالها كده؟
بصتلي في عيني وقالت
قالت إن جدتها كانت كل يوم تقول لها إن بابا بقى مش طايق يصرف عليها وإنه لو عرف إنها بتطلب فلوس تاني، ممكن يسيبها.
الكلام ده خلاني أفقد السيطرة على دموعي.
بنتي كانت بتجوع نفسها
وبتشتغل
وبتخبي فلوسها
عشان كانت فاكرة إنها عبء عليّا.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه ملوش إجابة
فين راحت ال ألف جنيه؟
خرجت من المدرسة وأنا ماسك الورقة.
اتصلت بأمي.
المرة دي صوتي كان هادي جدًا
ماما أنا عرفت كل حاجة.
قالت بسرعة
عرفت إيه؟
قلت
عرفت إن بنتي مش مبذرة.
سكتت.
وعرفت إنها كانت بتشتغل.
فضلت ساكتة.
وبعدين قلت
بس لسه معرفتش الفلوس راحت فين.
سمعت نفسها وهي بتتنفس بسرعة.
وفجأة قالت
إنت فاكر إنك كنت بتحوّل الفلوس ليا؟
قلت
أمال لمين؟
قالت جملة خلتني أحس إن الدنيا وقفت
الفلوس دي كانت بتتحول لحساب تاني وأنا كنت مجرد واسطة.
قفلت المكالمة فورًا.
فتحت تطبيق البنك.
بدأت أراجع التحويلات لأول مرة من خمس سنين.
وبعد دقائق، لقيت حاجة عمري ما لاحظتها.
كل شهر تقريبًا
كان فيه مبلغ كبير بيتحول بعد تحويلاتي لأمي بساعات.
لنفس الحساب.
حساب باسم شخص واحد.
اسم الشخص اللي كان مكتوب في ملف بنتي.
ساعتها فهمت إن أمي كانت بتكدب عليّا
لكن السؤال الأخطر كان
ليه كانت بتحول فلوسي للشخص ده؟
ولما اتصلت بالبنك عشان أعرف صاحب الحساب بالتفصيل، الموظف قال
الحساب ده مش باسم الشخص اللي حضرتك فاكره
وسكت لحظة، وبعدين قال
الحساب باسم بنتك.
اتجمدت مكاني.
بنتي كانت عندها حساب
لمحة نيوز





