حكايات محمد نور

القصة كاملة
ظنت عائلتي أن زيّي العسكري سيجلب لهم الخزي ويُفسد حفل تكريم جدي. لكن قادَ القدر فريقاً أول برتبة أربع نجوم ليكشف أمام الجميع، وفي بث مباشر، السر الحقيقي وراء استدعائي الخفي إلى تلك المراسم.
في اليوم الذي طلبت مني فيه عائلتي عدم الحضور لزيارة تكريم جدي العسكرية، كدت أستسلم لرغبتهم وأطيعهم. قال والدي بكل قسوة إن زيي العسكري الموحد سيجعلنا بنظر ضيوفه المرموقين في موقف محرج، وسخر أخي فيصل من الأوسمة المعلقة على صدري وكأنها مجرد قطع زينة رخيصة لا قيمة لها.
اسمي الرقيب أول مريم الفارس، أخدم بشرف في القوات المسلحة. ولسنوات طويلة، كنت أُعتبر “خيبة الأمل الرسمية” بنظر عائلتي.
لكن كل شيء تغير في اللحظة التي ترجلت فيها من المركبة العسكرية أمام مركز التراث العسكري المطل على ضفاف النهر في أطراف العاصمة.
— “هل حضرتِ بهذا المظهر حقاً؟”
كانت هذه أول جملة نطق بها فيصل. لم يقل “أهلاً”، ولا “سررت بلقائك”، ولا حتى أتبعها بابتسامة.
تطلعتُ إلى بدلتِهِ الفاخرة المصممة لدى أشهر الخياطين، وإلى ساعته التي يحرص على تعديل وضعها ليلفت الأنظار، وأزرار أكمامه الفضية التي سارع بتعديلها فور رؤيتي.
— “سررت بلقائك أيضاً يا فيصل.”
جالت عيناه على بدلتِي الرسمية من حذائي وحتى الشارات والأوسمة على صدري:
— “أنتِ تعلمين أن هذا الحفل مناسبة كبرى ورفيعة، أليس كذلك؟”
— “أعلم ذلك جيداً.”
— “القاعة مليئة بالوزراء، والرؤساء التنفيذيين، والأطباء، والمحامين… إضافة إلى كبار القادة العسكريين.”
لتفتُّ نحو المدخل وقلت:
— “إذاً، يبدو أنه المكان الأنسب لحضور امرأة تخدم في الجيش.”
طلت زوجته نورة بضحكة قصيرة ساخرة:
— “في الحقيقة يا مريم، كنا نأمل أن ترتدي شيئاً آخر.”
— “شيئاً آخر؟”
أشارت بإصبعيها نحو الأوسمة المعلقة على صدري:
— “يبدو هذا المظهر… متكلفاً ومبالغاً فيه نوعاً ما.”
لم أرد عليها. بالنسبة لنورة، لم تكن هذه سوى قطع معدنية وأشرطة ملونة. أما بالنسبة لي، فكانت تحمل وجوهاً، وأسماءً، وليالي طويلة بلا نوم، ورفاق س.لاح حملوا من الأعباء والمسؤوليات ما لا يستطيع أحد في هذه القاعة حتى تخيله.
كنت أحمل في يدي ملفاً أزرق داكناً رفيعاً، يزينه ختم رسمي مذهب. رمقه فيصل بنظرة خاطفة لسكانية ثم فقد اهتمامه به تماماً. لم يكن لديه أدنى فكرة عما يحتويه هذا الملف.





