حب مؤجل عائشة حسين
«حب مؤجّل»
نهضت متثائية بكسل، تُجيب بزفرة ملل على نداء استدعائها من الطواريء، ارتدت معطفها الأبيض وعدلت من وضع حجابها ثم غادرت مُلبية نداء الواجب، تُذكّر نفسها كلما تعبت أنّ هذا حلمها وحصاد تعبها وسهرها، اقتربت حين ناداها زميلًا لها بسرعة ركضت مستغلة نعومة الأرض تخطو خطوات واسعة تجاهه ثم تنزلق بخفة ناحيته حيث يمسك بفراش أحد القادمين في حادث على الطريق، انتفضت حين رأته، فغرت فمها ذاهلة وهي تتأمل تقاسيم وجهه السمراء المنحوتة، هل قفز من خيالها؟ أم جسّدته أفكارها المتشبعة به ليل نهار؟ صرخ زميلها باسمها؛ لتفيق، حبست الدموع في عينيها بأعجوبة وهي تراه أمامها شاحبًا يعاني، مُعلّق بين الحياة والموت، الموت الذي هجر بلده التي يحبها خوفًا من الأعيبه، سارت بالسرير مهرولة بالكاد تستطيع التركيز وهي غارقة في تأمله، سؤالها عما أصابه؟ ووجعها بأن تراه بعد أعوام هكذا، اعتدلت تحاول التركيز على الطريق ونظراتها تتوسل الموت أن يمنحها فرصة واحدة تخبره فيها كم تحبه، وأنها لا تنسى تضحياته.
شعر زميلها بتوهتها فصمت، رأى دموعها تزحف فوق خديها ببطء فأبعدها برفق متوليًا هو الأمر،فتح عينيه قليلًا فرآها أمامه تبتعد أو ربما هو من يفعل، ابتسم يمنحها فرحًا بلقائها وسلامًا عابرًا، يخبرها أنه رآها وشعر بها حين جاءت ولفحته أنفاسها الناعمة، جاهد كثيرًا وعيه، خاض معه حربًا ضروس؛ فقط ليحصل على تلك النظرة.
في المساء التالي، تسللت لحجرته، اتخذت احتياطاتها وسارت ببطء ناحيته متلفتة يمينًا ويسارًا، صرفت الممرضة المرافقة بنظرة متضرعة وسارت ببطء ناحية فراشه الأبيض البارد ومع كل خطوة يُولد الماضي من جديد، وقفت متسمرة تطالعه بنهم تتأمل قسماته المحفورة داخلها متشبعة بها من جديد، تُعيد تحديد وجهه الذي بهت في روحها.
كتفت ذراعيها مسيطرة على ارتعاشة جسدها الواهن محاولة التماسك أمام تلك الصدفة الموجعة، فكّت تخشب جسدها وجلست على الكرسي عكسًا مستندة بذراعيها على ظهره المعدنى، لا تفقد عيناها وجهتها على ملامحه ولا تتكاسل بوصلة القلب عن الوقوف فوقها، هو جهة الحب المعلومة الطاهرة، ونبعها الصافي… الصعيدي الأسمر الخشن الذي رمتها الأقدار بعد موت والدتها على عتبة منزله، جارها الوحيد الصموت، صاحب الابتسامات التي لا تنتهي.. جاء هاربًا من قريته بوالدته المسنة وجاءت هي وأمها هاربة من الفقر تحقق أمنية والدها بأن تصبح طبيبة
، جاءت للمدينة حاملها حُلمها على عاتقها كما تحمل والدتها حقيبة ملابسهما، تقبض عليه في القلب كما تقبض والدتها على القليل من الأموال، ابتسمت حين تذكرت ابتسامته الترحيبية بهما وعرضه المساعدة، تصميمه على حمل الحقيبة.. ونظرته الغامضة التي أوقعت قلبها، نظرة مازالت عالقة في الذاكرة محاطة بإطار الغموض، تتمنى لو سألته يومًا عنها ففسرها لها كما كان يفعل كلما أشتد عليها الغموض في أمر من أمور دراستها وصفعها عقلها بعدم الإدراك، نظرة استقرت في القلب والروح، بذرة نمت حتى أصبحت شجرة وارفة بظلال الحب، تهرب لظلها من قيظ الحياة وقسوة العالم.
جارها الذي استمع لقصتها يومًا عبر نوافذ أذنيه دون تدخل، مُعلنًا التجاهل التام وهو يتمسك بكتاب في يده،يومها منحها نظرة لن تنساها، نظرة خطّت ألف وعد فوق جبين أيامها الثقيلة المكدرة بالعوز.


