ظهرت بأطفالها الثلاثة

في الداخل، كانت الطفلتان أكثر فضولًا منه خوفًا.
اقتربت الصغيرة من راشد ببطء وهي تحدق في ساعته اللامعة.
“هل هذه حقيقية؟”
ابتسم للمرة الأولى منذ أيام.
“نعم.”
“غالية جدًا؟”
ضحك بخفوت.
“أظن ذلك.”
جلست الطفلة بجواره على الأرض دون تردد، بينما بقي شقيقها الأكبر واقفًا بعيدًا يراقب المشهد بصمت متحفز.
شعر راشد بغصة خفية.
كان يعرف تلك النظرة جيدًا.
إنها النظرة نفسها التي كان يرمق بها والده قديمًا حين يغيب طويلًا ثم يعود فجأة محاولًا التصرف وكأن شيئًا لم يحدث.
جلس بهدوء على الأرض قرب الأطفال، محاولًا أن يبدو طبيعيًا رغم ارتباكه الواضح.
لكن كل شيء بدا غريبًا عليه.
كيف يتحدث معهم؟
كيف يقترب منهم؟
كيف يمكن لرجل ضاعت منه سنوات كاملة أن يبدأ فجأة دور الأب؟
سألته الصغيرة بحماس:
“هل صحيح أنك تملك طائرة خاصة؟”
وقبل أن يجيب، قاطعها أخوها الأكبر ببرود:
“لو كان يهتم فعلًا، لما عرفنا بوجوده الآن.”
ساد الصمت.
رفعت دانة عينيها فورًا نحو ابنها.
لكن راشد أوقفها بإشارة هادئة.
ثم نظر إلى الطفل وقال بصراحة:
“أنت محق.”
ارتبك الصغير للحظة.
لم يتوقع اعترافًا مباشرًا.
أكمل راشد بصوت منخفض:
“ولو كنت مكانك… ربما كنت سأكرهني أيضًا.”
للمرة الأولى، تردد الغضب داخل عيني الطفل.
وللمرة الأولى أيضًا، شعر راشد أن الصدق أصعب كثيرًا من الكذب الذي عاش داخله سنوات.
في الأيام التالية، بدأ يزورهم باستمرار.
في البداية كان يحضر الهدايا كل مرة.
سيارات إلكترونية.
أجهزة ألعاب.
ملابس باهظة.
لكن دانة كانت تراقب كل شيء بصمت.
حتى جاء اليوم الذي وجد فيه الأطفال يلعبون بالصناديق الكرتونية الفارغة أكثر من الألعاب نفسها.
حينها فقط…
فهم.
في الزيارة التالية، جاء دون أي هدايا.
جلس على الأرض معهم.
رسم معهم.
وخسر عمدًا في لعبة تركيب القطع حتى تضحك الصغيرة.
وعندما نامت إحدى الطفلتين فوق ساقه دون أن تشعر، بقي ثابتًا مكانه قرابة الساعة خوفًا من إيقاظها.
كانت دانة تراقبه من المطبخ بصمت طويل.
شيء داخله تغير فعلًا.
لم يعد ذلك الرجل الذي يختبئ خلف اسمه وعائلته.
بل رجل يحاول، للمرة الأولى، أن يكون حقيقيًا.
لكن خارج هذا المنزل الهادئ…
كانت إمبراطورية آل نهيان تتهاوى ببطء.
الصحف الاقتصادية بدأت تتحدث عن خسائر ضخمة داخل شركات العائلة.
شركاء قدامى انسحبوا فجأة.



