الملياردير

لكن شيئًا بدأ يلفت انتباهه.

في أحد الأيام، وبينما كانت تمسح الغبار في مكتبه، توقفت يدها عند إطار صورة قديمة. صورة عائلية لأسرة ألميدا في عيد الميلاد في التسعينيات: والده خواكيم يرتدي كنزة حمراء سخيفة، ووالدته أنيقة كعادتها، وهو طفلٌ يبتسم ممسكًا لعبة جديدة.

راقبها فيسنتي عبر الكاميرا وهي ترفع الصورة بحذر، وتحدّق إليها بعينين مفعمتين بشيء غريب… حنان. همست في صوتٍ يكاد لا يُسمع:

“تشبهه كثيرًا… ولديك القلب نفسه… حتى وإن كنت لا تتذكر بعد.”

أعادَت الصورة إلى مكانها ومضت، دون أن تدري أنّ كلماتها هذه ضربت قلب فيسنتي كجليدٍ حاد.

“من تقصدين؟ والدي؟ وماذا تعنين بالقلب نفسه؟ من أنت يا كاميلا؟”

منذ تلك اللحظة، تضاعف ارتيابه. صار يشاهد المقاطع ليلاً، يعيدها ويُبطئها، يبحث عن أي علامة تُثبت شكّه.

وبعد أيام قليلة… وجد ما حيّره أكثر.

كانت كاميرا الحمّام الخاص بالطفل ترصد كاميلا وهي تحمّم بيدرو برفقٍ يكاد يشبه حبّ الأم. قالت له هامسة:

“كانت أمك جميلة جدًا، يا بيدرينيو… ووالدك الأكبر كان أطيب رجل عرفته.”

كاد هاتف فيسنتي يسقط من يده.

“أبي؟ مرة أخرى؟ ماذا تعرف عن أبي؟!”

وبدافع غضبٍ أعماه، صعد إلى غرفة كاميلا بينما كانت في الأسفل مع بيدرو. فتح خزانتها، قلب ثيابها، ثم وجد حقيبتها. أدخل يده

فيها، باحثًا… حتى لامست أصابعه شيئًا باردًا.

ميدالية فضية قديمة.

فتحها… وذُهل.

في داخلها صورة لوالده خواكيم يحتضن امرأة قصيرة لم يرها يومًا. ليست والدته. ولا عمّة. امرأة غريبة.

“ما هذا…؟ ولماذا تمتلك كاميلا صورة كهذه؟!”

وُضع الميدالية في مكانها وعاد إلى مكتبه مضطربًا حدّ الارتباك. صار نومه قليلًا، وعمله مشتتًا، وكل شيء يدور حول سؤال واحد: من تكون هذه المرأة؟

وبدأ الجواب يتكشف في اللحظة التي خطا فيها بيدرو خطواته الأولى.

كان فيسنتي يشاهد عبر الهاتف، حين ساعدت كاميلا الطفل على الوقوف. شجعته قائلة: “هيا يا بطلي… تستطيع.”

ترك يدها… وتقدم خطوة. ثم أخرى. حتى خمس خطوات، قبل أن يسقط بين ذراعيها الضاحكتين.

كاميلا وهي تبكي من الفرح.

في تلك اللحظة، شعر فيسنتي بانكسار داخلي. فخر لم يستطع السيطرة عليه… وألم. لأنه لم يكن هناك. ولأنّ أولى خطوات ابنه لم تكن نحوه. ولأنّ كاميلا—الغريبة—كانت أكثر حضورًا منه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *