نزلت الشغل الصبح وسبتها على حالها ده، وقلت في بالي أخرها يومين وهترجع زي الكلبة تدور على رضايا. طول النهار في الشغل وأنا بالي مشغول بالنظرة الغريبة اللي ورتهالي بالليل، بس كنت بصبر نفسي وأقول "دي حلاوة روح.. مسيرها تطاطي". رجعت البيت على الميعاد، فتحت الباب وكنت متوقع أشم ريحة الأكل أو ألاقيها بتجري تجهز السفرة عشان تصالحني.. بس الصدمة إن البيت كان هادي زي المقابر. مفيش قشة اتحركت من مكانها، ولا حتى حلة ارفعت على النار. دخلت الصالة لقيتها قاعدة في نفس مكانها، باصة للفراغ ببرود. وقفت فوق راسها وزعقت: "جرى إيه يا هانم؟ إيه الكسل ده؟ فين الغدا؟" بصت لي براحة ومن غير ما تتخض وقالت بنبرة باردة ومستفزة: "تعبت من يوم إمبارح.. ماليش نفس أعمل حاجة، اطلب غدا من برة." الكلام نزل عليا زي المية الساقعة، البرود ده عصبني. قلت لما أرجعها لحجمها الطبيعي وأكسرها بالكلام زي كل مرة عشان تلم نفسها، فضحكت بسخرية وقلت: "تعبتي من إيه يا حيلتها؟ من الوقفة في المطبخ؟ ما أنتِ طول عمرك خايبة وإيدك غشيمة، ولا تعبتي من كتر العياط لما شفتي ندى ست البنات وهي بتاخد الدلال كله وأنتِ واقفة زي الخدامة؟" كنت مستني الكلمة تنزل تقسمها نصين، وتخلي دموعها تنزل وأشوف كسرة عينها اللي بتمزجني.. بس المرة دي ما عيطتش. ناهد قامت وقفت، وربعت إيدها، وبصت في عيني بمنتهى القوة والتحقير، وقالت كلام خلاني انهار من طولي. قالت لي بضحكة استهزاء هزت كياني: "أنت مش راجل يا سامح.. فاكر لما تعمل الحركات الناقصة دي وتقلل مني قدام جارتك ولا بنت عمك، الناس هتقول عليك راجل مسيطر؟ لاء يا حبيبي، الكل عارف إنك ناقص وبتداري نقصك فيا. أنا استحملتك واستحملت قرفك وسواد قلبك السنين دي كلها وأنت بتزيد فيها.. بتزيد على إيه يا حسرة؟ ده أنت أحمد ربنا إن أنا رضيت بيك أصلاً واتنازلت واتجوزتك!" الكلام كان زي طعنات السكاكين في رجولتي وغروري. الدنيا لفت بيا، والدموية طلعت لفوخ عيني. لأول مرة أحس إن السيطرة هربت من إيدي، وإن البعبع اللي كنت مخوفها بيه اتهد في ثانية. مِدرتش بنفسي، ولا شفت قدامي.. من كتر الغل والانهيار، رفعت إيدي ولأول مرة في حياتي أمد إيدي عليها ونزلت ضرب فيها بكل غلي، عشان أخرس الصوت اللي كشف حقيقتي وعرّت نقصي قدام نفسي. كل ما أرفع إيدي عنها عشان أخد نفسي، وأفتكر إنها خلاص جابت آخرها وهتركع وتعيط عشان أرحمها، ألاقيها تبص لي من وسط الوجع بابتسامة سخرية تقيد فيا النار من جديد. تمسح الدم من على بوقها وبمنتهى البرود تقولي: "اضرب كمان.. وريني أخرك إيه يا سامح، ما هو أنت مش فالح غير في دي.. طول عمرك قليل وهتفضل قليل". الكلام كان بيطلع منها زي الكرباج على كرامتي ورجولتي. مكنتش فاهم هي بتعمل كده ليه؟ المفروض تخاف، المفروض تتلم وتستخبى زي كل مرة! لكن النبرة دي، والنظرة اللي كلها تحقير ليّ خلتني أتحول لوحش. كل اللي كان مسيطر على دماغي وعقلي في اللحظة دي إني لازم أكسرها، لازم أهدم الوش الخشب اللي هي حطاه ده لحد ما ترجع زي ما كانت.. البنت الضعيفة، العيلة الصغيرة اللي بتخاف من خيالها وتستنى الرضا مني. نزلت فيها ضرب تاني وتالت، وكل ما تقع، أقومها وأضربها، وهي تضحك بوجع وتقولي: "برضه مش هتبقى راجل في عيني". كنت بضرب بغل وعمى، مكنتش شايف قدامي ولا حاسس بالوقت، وكل همي أسمع منها كلمة "حرمت" أو أشوف في عينيها نظرة الانكسار اللي عيشتني ملك السنين اللي فاتت.. بس هي المرة دي كانت بايعة كل حاجة، وكأنها كانت بتقصد تستفزني عشان أطلع أسوأ ما فيا. أول ما إيدي تعبت من كتر الضرب، وقفت وأنا بنهج ونفسي مقطوع، والغل اللي جوايا بدأ يهدأ ويتحول لذهول وأنا شايفها غرقانة في دمها بس لسه بتبص لي بنفس الشماتة. في اللحظة دي بالذات، فهمت هي كانت بتعمل كده ليه.. فهمت إنها وصلت لللي هي عايزاه بالملي. ملامحها تبدلت في ثانية، والبرود والابتسامة اختفوا، وبدأت تصوت بصوت عالي وهستيري سَمّع عمارة كلها. صريخ مرعب يخلي أي حد يفتكر إنها بتتق*تل. قبل ما أستوعب أو أتحرك خطوة واحدة عشان أكتم بوقها، لقتّها جريت على باب الشقة وفتحته، وخرجت تجري في السيب وهي بتصوت وتلطم، وتخبط على أبواب الجيران بهستيريا. الشارع كله اتقلب، والجيران طلعت على الصوت، وشافوها بالمنظر ده.. وشها متبهدل، وهدومها مقطعة، ودمها مغرق الأرض. وقفت أنا على باب الشقة مسمّر، مش قادر أنطق ولا أدافع عن نفسي، والكل بيبص لي بنظرات رعب وقرف، حتى أم سيد جارتنا اللي كانت بتشمت فيها، وقفت حاطة إيدها على صدرها ومبرقة من الصدمة. ناهد ما ادّتنيش فرصة، وبصوتها المبحوح صرخت فيهم: "الحقوني.. كان هيقت*لني! ودوّني القسم!" وفعلاً، نزلت مع الجيران وهي بالحالة دي، وراحت على طول على القسم. هناك عملت لي محضر ضرب وإهانة، وأرفقت معاه تقرير طبي بكل إصابة وكل خبطة أنا علمّت بيها على جسمها بغباوتي وغروري. قعدت في القسم وأنا مش مستوعب اللي بيحصل حواليا، الصدمة كانت شلاني. الوش الخشب اللي كنت بقابل بيه ناهد اتبخر، وبقيت بكلم نفسي زي المجانين. في وسط ذهولي، العساكر سحبوني ودخلوني مكتب الظابط عشان يفتح معايا التحقيق. الظابط بص في التقرير الطبي اللي ناهد عملته، وبعدين رفع عينه وبص لي من فوق لتحت بنظرة كلها قرف واشمئزاز. رمى الورق على المكتب وقال بنبرة حامية زي الموس: "أنت فاكر نفسك راجل لما تمد إيدك على ست وتجيب دمها بالمنظر ده؟ دي بني آدمة لحم ودم، مش حتة جماد ملوش ثمن!" حاولت أتكلم وأدافع عن نفسي بنبرة مهزوزة: "يا فندم دي مراتي وكانت بتستفزني وهي..." قاطعني بزعير هز المكتب: "اشسسس! مش عايز أسمع صوتك! الستات برة بتتبهدل وتخدم وفي الآخر تقع في إيد أشكال ضالة زيك." لف الظابط ونده على العسكري، وبصوت مسموع وواضح، مال على ودن العسكري وغمز له وقال: "خده يا عسكري على الحجز.. ووصي عليه الرجالة جوة، عشان يعرفوا الـ 'راجل' ده الأصول اللي على حق." العسكري شدني من قفايا ونزل بيا على الحجز تحت. أول ما الباب الحديدي الكبير اتفتح واتقفل ورايا برزعة خضتني، لقيت نفسي جوة ضلمة ومكان ريحته تخنق، والعيون كلها اتمحورت عليا. واحد من المساجين، ضخم وجسمه مليان علامات، قام وقف وقرب مني وهو بيطقطق صوابعه، وبص للباجين وقال بضحكة صفرا: "يا مرحب.. الباشا الظابط بيوصيكم على سيد الرجالة اللي بيستقوى على الحريم." في ثواني، ملقيتش نفسي غير وأنا باخد علقة موت مروعة، ضرب من كل حتة وركل بالرجلين. كنت بصرخ وبستغيث ومفيش مخلوق عبرني. كل قلم وكل خبطة كانت بتنزِّل كرامتي في الأرض، ودقت جوة الحجز نفس الوجع والكسرة والمهانة اللي كنت بدوقها لناهد السنين اللي فاتت كلها، بس المرة دي كنت أنا اللي مرمي في الأرض، عاجز، وعيني مكسورة بجد ومش عارف أرفعها في حد. ياريت الموضوع وقف لحد هنا واللى عملته بعد كده خلانى احس انى بتعامل مع واحده لاول مره واحده فى حياتى واحده ماعندهاس ذره من الرحمه بعد اللى عملته فيه وكنت بتمنى إن الموضوع كان وقف عند القسم لكن اللى عملته فيه كان فوق توقعات اى حد