المطعم
المزيكا كأنها اختفت.
ياسين فضل باصص لها كام ثانية.
ولأول مرة
البرود اللي في عينيه اتكسر.
مش اختفى.
بس اتشقق.
زي تلج متجمد فوق بحر عميق.
سألها
اسمك إيه؟
نورا.
شيلي الطبق يا نورا.
مدت إيدها.
لكنه كمل
وهاتيلي الأكل اللي إنتِ هتاكليه لو كنتِ جعانة وحد تاني هو اللي هيدفع الحساب.
رجعت للمطبخ.
وكل الناس بصتلها.
الشيف سألها
عملتي إيه؟
قلتله السمك مش غلط.
ولسه شغالة؟
غالبًا.
ضحكوا بتوتر.
وبعدين سألوها
طيب طلب إيه؟
قالت
طلب الأكل اللي أنا باكله.
المطبخ كله سكت.
بعد خمس دقايق كانت شايلة طبق بسيط.
فاصوليا بيضا مطبوخة.
وخضار.
وثوم.
ورشّة زيت زيتون.
ورغيف عيش دافي.
أكل العاملين.
مش موجود في المنيو أصلًا.
حطته قدامه.
ومعه كباية مية بليمون.
بص للطبق فترة طويلة.
وبعدين أخد أول معلقة.
وأكل.
وأكل.
وأكل.
لحد ما خلص الطبق كله.
بعدها قام.
ظبط الجاكيت.
ومشي من غير كلمة.
المطعم كله رجع يتنفس.
ونورا افتكرت إن الموضوع خلص.
لكنها كانت غلطانة.
بعد يومين
ياسين هلال رجع.
وأول حاجة قالها للمضيفة كانت
نورا موجودة؟
قلبها اتقبض.
لأن آخر حاجة كانت نفسها فيها
إن راجل زي ده يفتكر اسمها.
وقفت قدامه تاني.
قال بهدوء
مساء الخير يا نورا.
مساء النور يا فندم.
حطت قدامه كباية مية بليمون.
لاحظ إنها فاكرة.
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
وسأل
إيه أحسن حاجة عندكم النهارده؟
لكن المرة دي
كان واضح إنه ماكانش بيسأل
مين عاوز التكمله ؟لايك وصلو علي النبي وهرد عليكمدخلت حفل الفندق بتاع أبويا فسمعت مراته قدام 300 شخص بتقول الأمن! طلّعوها برّه! خرجت من غير ما أتكلم وبعد ساعات نقلت الفندق والأرض و مليون دولار باسمي. بعدها بدقايق كان عندي 68 مكالمة فائتة وقبل نص الليل كانوا بيخبطوا على باب شقتي.
كانت داليا واقفة على المسرح لابسة فستان سواريه غالي وسلسلة ألماس تلمع تحت الإضاءة.
رفعت كاس العصير وقالت بابتسامة كلها غرور
النهاردة بنحتفل بالفندق اللي أنا وجوزي بنيناه بتعب عمرنا.
القاعة كلها سقفت.
أكتر من 300 شخص.
رجال أعمال.
مستثمرين.
وشخصيات مهمة.
وفجأة عينيها وقعت عليا.
وسكتت.
وبعدين ابتسمت الابتسامة اللي كنت بكرهها.
بس للأسف عندنا ضيفة غير مرغوب فيها.
الناس بصت وراها.
ناحيتي.
ورفعت صوتها أكتر
الأمن! لو سمحتوا خرجوا البنت دي برّه. دي مش من العيلة ومش مكانها هنا.
القاعة كلها سكتت.
حسيت بعيون الناس كلها عليا.
في ناس ضحكت.
وفي ناس همست.
وفي ناس طلعت موبايلاتها.
بصيت لأبويا.
استنيت.
استنيت يقوم يقول كلمة واحدة.
أي كلمة.
دي بنتي.
سيبوها.
حدش يلمسها.
أي حاجة.
لكن أبويا عمل حاجة أسوأ من السكوت.
لف وشه الناحية التانية.
ورفع الكوباية وشرب رشفة.
كأنه أصلًا ما يعرفنيش.
اتنين من الأمن قربوا مني.
مسكوا دراعي.
وساعتها فهمت.
إن اللي مات الليلة دي مش علاقتي بداليا.
اللي مات كان آخر أمل عندي في أبويا.
سحبت دراعي بهدوء.
ومشيت.
لا عيطت.
ولا اتخانقت.
ولا حتى بصيت ورايا.
ركبت عربيتي وسقت لحد مخزن قديم كنت محتفظة فيه بحاجات أمي الله يرحمها.
فتحت صندوق خشب كانت سايباهولي.
وقالتلي قبل ما تموت
لو جه اليوم اللي أبوكي يكسرك فعلًا افتحي الظرف ده.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
لقيت كارت باسم محامية اسمها مها الشريف.
وتحته بخط إيد أمي
كلميها الأول.
في أقل من نص ساعة كنت قاعدة قدام المحامية.
ست كبيرة أنيقة.
وهادية بشكل يخوف.
حطت ملف قدامي وقالت
أبوكي فاكر إنه ورث كل حاجة بعد وفاة والدتك.
مش ده اللي حصل؟
ابتسمت.
لأ.
فتحت الملف.
وأول ما قريت أول ورقة
قلبي دق بعنف.
أرض الفندق.
مش باسم أبويا.
عمرها ما كانت باسمه.
أمي نقلت المبنى ليه.
لكن الأرض اللي تحته لأ.
وكمان 17 مليون دولار كانوا متحطوطين في صندوق ائتماني خاص.
والمستفيدة الوحيدة؟
أنا.
رفعت عيني للمحامية.
إزاي؟
قالت
والدتك كانت أذكى مما تتخيلي.
وقلبت الصفحة.
كان فيه شرط.
شرط واحد بس.
إن أبويا يفضل محافظ على مكانتي داخل العيلة والشركة.
ولو أهانني أو استبعدني بشكل واضح
كل حاجة ترجع ليا فورًا.
الأرض.
الحسابات.
واسم الفندق نفسه.
افتكرت الأمن وهما بيطلعوني قدام الناس.
وافتكرت أبويا وهو بيلف وشه.
وساعتها بس
ابتسمت.
وقعت كل الأوراق.
وخلال ساعات قليلة
الأرض بقت باسمي.
الحسابات اتجمدت.
والفندق بقى قانونيًا ملكي.
تاني يوم الصبح بدأت الكارثة عندهم.
المرتبات واقفة.
الحسابات مقفولة.
الشركات عايزة فلوسها.
والبطاقات البنكية اترفضت.
أول مكالمة من أبويا جات الساعة عشرة.
ما رديتش.
بعدها اتنين.
بعدها عشرة.
بعدها عشرين.
قبل المغرب كانوا 68 مكالمة فائتة.
وأنا؟
كنت قاعدة في شقتي بقرأ رواية.
لحد ما الساعة جت 12 بالليل.
وسمعت خبط عنيف على الباب.
ليلى! افتحي الباب!
كان صوت أبويا.
فتحت.
لقيته واقف قدامي وشه شاحب.
شعره مبهدل.
وفي إيده أوراق قانونية متكرمشة.
وداليا واقفة وراه.
عيونها حمرا من العياط.
أبويا اتكلم بصوت مكسور
إنتِ عملتي إيه؟
بصيتله بهدوء.
عملت إيه في إيه؟
البنك مجمد الحسابات!
أيوه.
والفندق اتسحب مننا!
أيوه.
بيقولوا إن الأرض باسمك!
هزيت راسي.
عندهم حق.
داليا صرخت
إنتِ سرقتي تعب عمرنا!
ضحكت.
أول ضحكة من قلبي من سنين.
تعب عمركم؟
وبصيتلها من فوق لتحت.
أمي هي اللي بنت الفندق.
إنتِ كل اللي عملتيه إنك اتجوزتي صاحبه.
وشها احمر.
وأبويا قرب خطوة.
ليلى إنتِ بنتي.
بصيتله في عينه.
كنت بنتك امبارح.
سكت.
كملت
لما وقفت تتفرج عليا وأنا بتطرد قدام الناس.
بلع ريقه.
وأنا قلت بهدوء
لكن النهاردة؟
وأشرت للأوراق اللي في إيده.
النهاردة أنا صاحبة الأرض وإنت مجرد مستأجر متأخر في الدفع.
داليا بدأت تعيط.
هنروح فين؟
ابتسمت.
ورديت بنفس الكلمات اللي قالتها قدام الناس
مش مشكلتي.
وبعدين بصيتلها وقلت
أصل إنتِ بنفسك قولتي إني مش من العيلة ومليش مكان هناك.
وقفلت الباب في وشهم.
ولأول مرة من سنين طويلة
كان صوت الهدوء أحلى من أي موسيقى سمعته
مين عاوز التكمله ؟لايك وصلو علي النبي المطبخ كله كان واقف على أعصابه.
نورا بصّت ناحية الشيف، كأنه بيسألها بعينيها أقول إيه؟
الشيف هزّ راسه بسرعة
أي حاجة المهم ما نغلطش المرة دي.
لكن السؤال ماكانش محتاج إجابة متسرعة كان فيه إحساس غريب إن ياسين هلال نفسه مش مستعجل.
نورا أخدت نفس صغير، وبصّت له
عندنا صينية مسقعة باللحمة وعيش بلدي سخن.
رفع حاجبه
ده أحسن حاجة عندكم؟
سكتت ثانية.
وبعدين قالت بصدق
ده أحسن حاجة بنعملها لما نبقى جعانين بجد مش لما نبقى بنمثل إننا جعانين.
الصمت رجع يلم المكان.
لكن المرة دي مكنش صمت خوف.
كان صمت انتظار.
ياسين بص لها لحظة طويلة.
وبعدين قال
هاتها.
المطبخ اتفجر حركة.
لكن نورا فضلت واقفة مكانها.
الشيف همس لها بسرعة
انطلقي!
بعد دقائق كانت راجعة بصينية سخنة، ريحتها مالية المكان، والخبز جنبها كأنه معمول بعناية مش في مطعم فخم لكن في بيت بسيط.
حطت الطبق قدامه.
وقفت مستنية أي تعليق.
لكن ياسين ما اتكلمش.
بدأ ياكل.
المرة دي ماكانش بيختبر الأكل كان كأنه بيختبر حاجة تانية.
كل معلقة كانت أطول من اللي قبلها.
وأول مرة إيده اترددت قبل ما تكمل.
نورا لاحظت.
بس ما علقتش.
لحد ما قال فجأة
إنتِ بتطبخي؟
اتوترت
أحيانًا لما أرجع البيت.
سكت شوية، وبعدين قال
مين علمك؟
نورا ابتسمت ابتسامة صغيرة ماكملتش لحد عينيها
أمي.
الاسم ده وقع في الهوا تقيل.
ياسين ساب الشوكة.
ولأول مرة صوته كان أقل برود
وراحت فين؟
نورا اتجمدت لحظة.
وبعدين قالت بهدوء
زي ناس كتير سابت فراغ ومشيت.
المكان كله كان سامع.
ياسين بص في الطبق، كأنه شاف فيه حاجة مش أكل.
وبعدين قال
غريب أول مرة أحس إن الأكل بيقول الحقيقة.
رفع عينه لها
إنتِ مش مكانك هنا يا نورا.
الكلمة دي خلت قلبها يقع.
لكنها ردت بسرعة
وأنا مش لاقية مكان تاني.
سكت.
وبعدين قام.
حط منديل على الترابيزة.
وقال بهدوء
يبقى نعمله.
ومشي.
نورا فضلت واقفة مكانها.
والشيف قرب منها
قال إيه؟
همست
قال نعمله.
بعدها بأسبوع، حصل اللي محدش في المطعم كان متخيله.
جت أوامر بتغيير كامل في المطبخ.
لكن مش تغيير إداري.
كان فيه اسم واحد مكتوب في الورق
نورا مسؤولة تطوير قائمة الأكل البيتية الجديدة.
المدير كان هيجن
دي جرسونة!
لكن الورق كان موقع بخط ياسين هلال نفسه.
ونورا وقفت قدام الباب، مش مصدقة.
وفي آخر اليوم
ترابيزة 11 كانت فاضية.
لكن لأول مرة
ماكانتش مخيفة.
كانت مستنية.
والمرة دي نورا هي اللي راحت تقعد قدامها لأول مرة من غير طبق في إيدها قعدت نورا قدام الترابيزة 11 وهي حاسة
لمحة نيوز

