مراد ونغم ج١

الجزء الأول

الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل، والشارع في بحري، إسكندرية، كان ضلمة وريحة البحر داخلة مع ريحة الزبالة والسمك البايت.

شارع ضيق، البيوت فيه لازقة في بعض، واللمبة الصفرا اللي على أول الناصية عمالة تزن وتطفي وتنور.

 

عربية مرسيدس سودا فخمة وقفت فجأة بفرملة حادة، كاوتشاتها صرخت على الأسفلت المكسر. عربية زي دي عمرها ما دخلت الحارة دي قبل كده، فالعيال اللي كانوا بيلعبوا كورة بشراب طلعوا يبصوا، والستات فتحوا الشبابيك نص فتحة.

 

الباب اللي ورا اتفتح بعنف.

 

نزلت منها ست في أواخر الخمسينات، لابسة عباية سودا حرير، وشنطتها دهب بتلمع حتى في الضلمة. وشها كان ناشف، وعينيها مفيهاش نقطة رحمة. دي إنعام زيدان.

 

لفت حوالين العربية، فتحت الباب التاني بإيدها، ومدت إيدها جوه تشد اللي قاعدة.

 

“إنزلي. إنزلي يا بنت صفوان.”

 

نغم صفوان كانت قاعدة متكومة في الكرسي اللي ورا. 22 سنة، فستان فرح أبيض منفوش، الطرحة لسه متثبتة بدبابيس في شعرها الأسود، والكحل سايح حوالين عينيها من العياط طول الطريق من سوهاج لإسكندرية. 12 ساعة سفر وهي ساكتة.

 

إنعام مسكت دراعها جامد، ضوافرها غرزت في لحمها الأبيض.

 

نغم شهقت: “يا حاجة.. بالراحة.. إيدي!”

“حاجة؟ حاجة في عينك! إنتي فاكرة نفسك دخلتي عيلة زيدان بجد؟”

 

شدتها برا العربية لحد ما نغم اتكعبلت في ديل فستانها ووقعت على ركبها في نص الشارع، على الأسفلت اللي مليان مية مجاري. الفستان الأبيض اتوسخ في لحظة.

 

الناس اتلمت. واحدة ست بشبشب وبجلابية قالت: “لا حول ولا قوة إلا بالله! في إيه يا هانم! دي عروسة!”

 

إنعام بصت لها بقرف، وطلعت من شنطتها ظرف أبيض ورمته في حجر نغم.

“ده عقد جوازك. مبروك يا عروسة. ابني مراد كتب كتابه عليكي الصبح في بلدكم، صح؟ أهو نفذ وصية أبوه، واتجوز بنت صفوان الهواري اللي قتل أخويا من 20 سنة.”

 

نغم رفعت وشها، صوتها بيترعش بس فيه كرامة صعيدي: “أبويا مقتلش حد.. وأنتي.. أنتي مش كنتي بتقوليلي طول الطريق يا بنتي؟”

 

إنعام ضحكت ضحكة ناشفة تقطع القلب: “يا بنتي؟ أنا بقالي 20 سنة مستنية اليوم ده. أبوكي خد مني أخويا، وأنا هاخد من بنته كل حاجة. مراد ابني مايعرفش شكلك أصلا، هو مضى على الورق ومشي على إسكندرية قبلك بست ساعات عشان عنده صفقة. وأنا وعدته إني هوصلك لبيت جوزك.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *