زوجة اخي ج١ سهام صادق

رواية زوجة أخي.
بقلم سهام صادق.
الفصل الثالث
سقطت دمعة تلو الأخرى مع كل ذكرى تحيا بداخلها إلى الآن.. حتى مسحت دموعها سريعاً وهي تخاطب صديقتها قائلة: “بس أنا يا ريم لسه منستش اللي حصلي، أنتِ عارفة يعني إيه أول إنسان يعلمك الحب هو اللي يخذلك؟”.
فنطقت صديقتها بأسف على حالها قائلة: “زهرة، لازم تفوقي من الماضي، هشام كان درس واتعلمتي منه وخلص خلاص.. هشام كان وهم ومات”.
لتهطل دموعها ثانية وهي تتحدث بأسف قائلة: “يعني إيه يا ريم، أوافق على العريس؟”.
فاقتربت منها صديقتها لتضمها إليها بحنان قائلة: “باباكي ومامتك مبسوطين بالعريس، فرحيهم يا زهرة وافرحي.. وكمان يا ستي ده واحد هياخدك فرنسا وهيعيشك في مستوى كويس وشاب أمور..” ثم غمزت لها ريم بعينيها قائلة بخبث: “مش هو برضه الواد البارد المستفز اللي حكتيلي عنه أول ما جيتي من الفرح؟”.
فانفجرت شفتا زهرة بضحكة حالمة قائلة: “تفتكري إنه عوض ربنا ليا؟”.
فنظرت إليها ريم بحنو وهي تتذكر كل ما مرت به صديقتها حتى قالت بتنهد: “بصي يا زهرة، معرفتك بهشام كانت غلط.. إيه أعرف واحد من على النت وأثق فيه؟”. وكادت أن تتحدث زهرة لتدافع عن ثقتها به وحسن نيتها، حتى تابعت ريم قائلة: “هتقوليلي إنكم اتقابلتوا في الحقيقة وكان زي ما أنتِ متصوراه وكان شخص عادي.. بس ديه مرة واحدة يا زهرة، عارفة يعني إيه؟ وكمان كانت صدفة وأنتِ اللي عرفتيه بنفسك”.
لتتذكر زهرة ذلك اليوم شاردة فيه.. حتى ابتسمت ابتسامة باهتة تداري فيها أوجاعها قائلة: “أول رحلة في حياتي أطلعها مع جميلة كانت لشرم، قابلته صدفة هناك في قرية كان هو المدير بتاعها.. مصدقتش نفسي إن القدر ممكن يلعب لعبته”. وابتسمت ببلاهة عندما تذكرت مغازلته لها وهو يقول: “طلعتي قمر يا زهرة!”.
وعادت تمسح دموعها ببؤس حتى تحدثت ريم قائلة: “وانتهت القصة الجميلة بأنه سابك عشان يتجوز ست الحسن والجمال بنت صاحب المنتجع…”.
فضحكت زهرة قائلة: “بتتريقي عليا صح يا ريم؟ بس عارفة، أنا نسيت هشام بس للأسف منستش وجعه”. ومسحت ما تبقى من دموعها حتى قالت: “أنا هوافق على العريس، وهبني ليا حياة جديدة!”.
فابتسمت صديقتها بفرح، وهي تتأمل معالم وجهها حتى قالت بحنان: “ربنا يسعدك يا زهورة!”.
………………………………………………………….
وقف يتأمل ظلام الليل من شرفته، وهو يتنفس الهواء المصحوب بدخان سيجارته.. وعاد بذاكرته للوراء ليوم أن رآها ترتدي دبلة لرجل آخر غيره، فقد كان يسير دوماً بمبدأ “انثر على جروحك ملحاً كي تطيب” وهذا ما فعله؛ فاليوم الذي قرر أن يهاجر فيه البلاد هو نفسه اليوم الذي خُطبت فيه لغيره، بعد قصة حب عاشت بداخله منذ أن ولدت وهو طفل في الخامس من عمره.. فضحك باستهزاء وهو يوقف ذلك الشريط اللعين ويلعن نفسه مئة مرة لقدومه مرة ثانية لحياته التي هجرها.
رنّ هاتفه ليعلن عن اتصال، فتأمل الاسم قليلاً قبل أن ينبعث صوته ليتحدث قائلاً: “ازيك يا رامز؟”.
فجاءه صوت رامز الضاحك قائلاً: “فرنسا كلها وحشتها”، وتابع بحديثه قائلاً: “وديانا هتموت وترجع”.
فتأفف هو بضيق قائلاً: “سيبك من ديانا وقولي أخبار الشغل إيه؟”.
فهتف صديق غربته قائلاً: “كله تمام متقلقش، وأنا ببعت ليك كل حاجة تخص الشغل على إيميلك.. بس شكلك مش فاضي تبص على أي حاجة.. إيه مصر بقيت حلوة كده عشان تخليك تنسى الشغل ومشاريعك؟”.
ليتحدث شريف قائلاً وهو يلعن تلك الطاحونة التي وضعه فيها فارس لكي يكمل عنه تصميماته وأعماله إلى أن يعود من رحلة زواجه: “معلش يا رامز بس مضغوط في شركة فارس الأيام ديه، لأنه مسافر… عقبال عندك أصله اتجوز من أسبوع”.
فأتاه صوت رامز الضاحك قائلاً: “حاجتين ربنا يبعدني عنهم؛ الجواز وإني أنزل مصر تاني..”.
ليشفق شريف على حال صديقه، فلكل تارك لبلاده قصة جعلته يفر دون رغبة في الرجوع وكأن الوطن أصبح وباءً.
…………………………………………………………
جلس باسترخاء على مكتبه الفخم الذي دوماً قد حلم به.. ففتح عينيه على صورة زوجته القابعة على مكتبه وهي في حضن أبيها.. فظل يتأملها قليلاً إلى أن حنّ لوجه طفولي قد عصف به.. فأخرج هاتفه ليبحث فيه عن صورة وحيدة لها ما زال محتفظاً بها، وقد أخذها لها دون أن تلاحظ، وقد كانت الصورة تحتوي على بعض السائحين.
ليتذكر اليوم الذي قابلها فيه وقد كانت فعلاً ملاكاً كما كان يتخيلها؛ فنظر باسماً وهو يتأمل ملامحها وضحكتها وهي تحادث أختها وتشير بأصبعها على أحد السياح، ليتنهد قائلاً: “وحشتيني أوي يا زهرة، كنتي أنقى إنسانة عرفتها ونورت حياتي.. بس للأسف حظك وقعك مع إنسان مش بيفكر غير في نفسه وبس”.
وأغلق هاتفه سريعاً عندما أحس بأن الحنين سيأخذه لذكرى راحلة.. وبدأ يتابع أعماله على حاسوبه الشخصي.. حتى رن هاتفه ليرد بحبور: “ازيك يا عمي؟ نهى الحمد لله كويسة.. والقرية تمام”.
ليأتيه صوت أحدهما يضحك قائلاً: “جوز بنتي طول عمره شاطر ودماغه عجباني، سلملي على نهى وخد بالك منها”. وقبل أن تنتهي محادثته مع والد زوجته، سمع صوتاً أنثوياً يتحدث بمياعة: “هنروح فين يا بيبي؟”.
ليضحك هشام على أفعال حماه وهو يتمتم: “بيبي..”، وتابع بحديثه قائلاً: “ادلع وانبسط يا بيبي”.
………………………………………………………….
هتفت نسرين بسعادة وركضت نحوه لتتعلق برقبته قائلة: “بجد يا شريف هنروح النهاردة نشوف العروسة؟”.
فابتسم شريف وداعب وجنتي أخته قائلاً: “شريف حاف كده؟ فين أبيه يا بت راحت فين؟”.
فضحكت نسرين وتأملت وجه أمها البشوش قائلة: “أنا كبرت دلوقتي وبقيت مدام..”.
فحضنها بحب وهو يرى دموع والدته التي تقف أمامه.. فترك أخته وذهب إليها ليضمها إليه بحنان قائلاً: “بتعيطي ليه دلوقتي يا ست الكل؟”.
فنطقت أمه وهي تغالب دموع سعادتها: “البيت من غيرك كان ضلمة يا حبيبي، وروحي كانت رايحة مني… ربنا يفرحك يا بني ويكرمك”.
فرفع كفي أمه الاثنين وقبلهما وهو يبتسم قائلاً: “ربنا يخليكي ليا يا أمي وأعيش طول حياتي تحت رجليكي.. سامحيني إني سيبتك.. بس كان غصب عني”.
فرفعت أمه عينيها إليه وهي تبتسم قائلة: “مسامحاك يا شريف وحاسة بيك..”.
لتأتي نسرين إليهم قائلة بدعابة: “ابنك عريس يا منى وبتعيطي؟ يا ست أنتِ زغرطي!”.
وكادت والدته تستجيب لفكرة أخته المجنونة حتى قال: “ماما أبوس إيدك بلاش فضايح..”.
وتركهم وهو يضحك، حتى أتى بفكرة لقاء اليوم فأخذ يتمتم بإحباط: “شكلي هصلح غلطة بغلطة!”.
………………………………………………………….
أخذت تتأمل أثر اعتدائه عليها ليلة أمس وهي تتأوه من الألم حتى دمعت عيناها لتسمع طرقات طفلها الصغير على الباب قائلاً: “أيوه يا شريف يا حبيبي، أنا طالعة أهه”.
فسكبت على وجهها قطرات الماء كي تزيل أثر دموعها، وأكملت ارتداء ملابسها لتغطي أثر الكدمات عن جسدها، وخرجت إليه لتنحني بجسدها أمامه قائلة وهي تمسح دموعه: “مالك يا حبيبي زعلان ليه؟”.
فخرجت الكلمات من فم صغيرها بصعوبة قائلاً: “اللعبة بتاعتي اتكسرت يا مامي”.
فضمته إليها بحنان وأخذت تلامس جسده الصغير وهي تتمتم: “حال مامي زي لعبتك يا حبيبي.. بس اللعبة ممكن يجي غيرها، أما أنا فخلاص مُت بسبب أنانيتي وحبي للمظاهر”.
…………………………………………………………
وقفت أمها وراءها وهي تتمتم: “يا بنتي يلا اخرجي بقى للناس”.
فرجعت بأقدامها للخلف قائلة: “هو أنا لازم أخرج؟”.
فابتسمت أمها بسعادة قائلة: “يا بنتي بطلي كسوف، الراجل مستني بره هو وأمه وأخته وجوزها.. يلا يا زهرة أنا مش عارفة مش طالعة زي جميلة أختك ليه”.
فتذكرت هي موقف أختها التي تركتها هي وحازم في مثل ذلك اليوم من أجل أن يروا إحدى الشقق من أجل زواجهم المعطل منذ عامين، فضغطت على شفتيها بحنق قائلة: “متفكرنيش ببنتك ديه، ماشي يا جميلة أنتِ وحازم”.
وسارت بهدوء نحو غرفة صالونهم المتواضعة وهي تقرأ بعض الآيات ويداها تهتزان بأكواب العصير.
وعندما وصلت إلى “اللامفر”، وجدت وجهاً بشوشاً يطالعها لتسمع صوت سيدة أنيقة قائلة: “ما شاء الله.. قمر يا شريف”.
لتبتسم والدتها قائلة: “ده من ذوقك يا حاجة، قدمي العصير يا زهرة للضيوف”.
فأخذت زهرة تطالع الأكواب بتردد متذكرة نصائح والدتها من أجل التقديم… وسارت نحو حماتها التي يبدو عليها الطيبة، ثم إلى تلك الفتاة التي يبدو أنها في شهورها الأخيرة بسبب انتفاخ بطنها.. ثم إلى الرجل الذي بجوارها ويبدو أنه زوجها.. وجاء دور والدها الذي ضحك ببشاشة قائلاً: “قدمي لخطيبك الأول يا حبيبتي”.
فاقتربت منه وهي تهمس بصوت أنثوي راقٍ قائلة: “اتفضل”.
ليرفع هو أحد حاجبيه بشك من تلك الفتاة التي كان أول معرفته بها صداماً وجنوناً بسبب أفعالها… وكاد أن يمد يده كي يأخذ كوب العصير ولكن هيهات.. قد انسكب العصير على بدلته التي يبدو أنها غالية الثمن.
لتقترب أمها قائلة: “إيه اللي عملتيه ده؟ إحنا آسفين يا بني”.
فوجدها تبتعد عنه بخجل حتى شعر هو بها فقال بهدوء: “مفيش حاجة حصلت”.
فابتسمت أمه بطيبة قائلة: “محصلش حاجة يا جماعة، تعالي يا زهرة يا حبيبتي جنبي..”. ونظرت إلى ابنها الذي يطالع بدلته بتأفف حتى قالت: “وأنت ممكن الحج يقولك فين الحمام وأنقذ ما يمكن إنقاذه”. وضحكت وهي تتأمل ملامحه فربطت على يد زهرة بحنان قائلة: “حد يطول القمر ديه توقع عليه العصير؟”.
ليخرج صوت ممدوح الضاحك وهو يتذكر نفس فعلة زوجته حتى غمز لها قائلاً: “مبتفكركيش بحد الحكاية ديه؟”.
فضحكت نسرين بحب وهي تتأمل ملامحه قائلة: “قلبك أسود يا زوجي العزيز”.
وتحولت تلك الزيارة الكئيبة للضحك والمداعبات حتى شعرت الأسرتان بالألفة..
………………………………………………………….
ضحكت جميلة بقوة إلى أن سمعت صوت أمها المحذر قائلة: “جميلة!”.
لتنظر جميلة إلى أختها التي ما زالت هائمة فقالت بهدوء: “خلاص يا ست الكل، معلش يا زهورة أصلي بتخيلك وأنتِ بتدلقي على شريف العصير..”، وتابعت بحديثها قائلة: “حد قدك يا عم؟ هتسافري فرنسا معاه، لأ واسمع كمان إنه عايش في شقة قصاد برج إيفيل”.
فنظرت زهرة إلى جميلة دون استيعاب حتى قالت بسعادة: “مين قالك كده؟”.
فتأملتها أمها قائلة: “ربنا يشفيكي يا بنت بطني، يا بت أنتِ مش من شوية قولتي لأبوكي إنك مش عايزة تبعدي عننا؟”.
فلمعت عين زهرة قائلة: “يا ماما ديه فرنسا! بس يا ست الكل هو قال فترة بسيطة هيخلص شغله هناك وهنرجع تاني”.
فتأملتها جميلة بمشاغبة قائلة: “صبرتي ونولتي!”.
وما كان من أمهما سوى أن تمتمت بسعادة: “ربنا يسعدكم يا بناتي”.
………………………………………………………….
نظرت إليها منى بإشفاق لما فعله ابنها حتى قالت بأسف وهي تتأمل أعين ابنتها نسرين: “شريف بيقولك اختاري الشبكة اللي تعجبك يا حبيبتي”.
فنظرت والدتها بانبهار للأطقم المعروضة من الألماس حتى قالت: “ربنا يعينه يا حاجة، أكيد يا حبة عيني مشاغله كتير”. ومدت يدها تجاه ابنتها كي تقترب وتتأمل الأطقم المعروضة، ولكن زهرة ظلت واقفة بقهر وألم لما فعله.
فأحست بوجع وهي تحطم حلماً آخر من أحلامها؛ فخطيبها يترك والدته وأخته تختاران لها شبكتها.. أما هو فمنشغل بأعماله وأمواله. وكادت أن تفر دمعة من عينيها لم تلاحظها سوى حماتها التي أشفقت عليها… أما أمها فكانت منشغلة مع نسرين ليختاروا من بين الأطقم المعروضة طقماً مبهراً.
فاقتربت منها أمها قائلة: “زهرة، تعالي شوفي اختارت ليكي إيه”.
فنظرت لأمها التي استسلمت لأموال ذلك المدعو بخطيبها.. ولم تشعر بها، فاقتربت من أمها وهي تشير على دبلة ذهبية ثمنها لا يساوي شيئاً قائلة: “أنا هاخد الدبلة ديه وبس”.
فنظرت إليها أمها بصدمة، حتى اقتربت منها حماتها قائلة: “ليه يا بنتي؟ ده شريف موصيني أجيبلك كل اللي نفسك فيه وميهمكيش الفلوس”.
فأخذت تهز رأسها برفض وهي تطالعهم.. وكادت أن تنهرها أمها على فعلتها ولكن هيهات.




