زوجة اخي ج١ سهام صادق

​الــفــصل الــثــانـــي

​شريف.. شريف
كان صوت أحدهما من بعيد يُخاطبه، ليلتفت بجسده إلى ذلك الصوت، فتسمع هي صوتاً أنثوياً يُحادثه برقة.
فظل واقفاً بجسده الجامد دون حركة وكأنه يتأمل ملامحها.
فأزاحت زهرة جسدها يميناً لتتمكن من رؤية صاحبة ذلك الصوت الرقيق، وتطلعت إليهم قليلاً ثم ابتعدت عنهم وهي تُتمتم: إنسان قليل الذوق!
فظلت هي تقترب منه حتى نطقت أخيراً: لدرجادي بقيت تكرهني؟
فطالعها هو بتهكم قائلاً: ومين قالك إني بكرهك؟
فارتسمت على شفتيها ابتسامة أمل حتى أكمل بسخرية لاذعة قائلاً: الكره ده بيكون للناس اللي فارقين معانا، بنكره على قد الحب.. بس أنتي يا مريم ولا حاجة بالنسبة ليا.. أنتي ماضي ومات والميت للأسف مبيصحاش تاني.
ورن هاتفه بنغمة هادئة، فتركها بهدوء ووقار وهو يُحارب نيران الماضي التي اشتعلت بداخله.. حتى سمع صوتها البائس قائلة: مبروك يا شريف!
فالتفت إليها وهو لا يعلم لِمَ تهنئه حتى تابعت حديثها بألم قائلة: خالتو قالت لي إنك قريب هتعرفنا على حبيبتك وتتجوز.
فابتسم بهدوءٍ قد اكتسبه بعد سنين من الألم: الله يبارك فيكي يا مريم.
وأكمل سيره وهو يُتمتم بضيق: غبي، هي فين أصلاً البنت اللي بتحبها وهتتجوزها!
ودخل إلى داخل القاعة بهدوء.. حتى وقعت عيناه على إحداهن، فاقترب منه حازم وهو لا يصدق قائلاً: بشمهندس شريف، حمد لله على السلامة.
فوقف شريف بابتسامته الهادئة وهو يتذكر ملامح من يُخاطبه.. فتابع حازم بحديثه قائلاً: أكيد مش فاكرني.
فرفع شريف يده ليصافحه قائلاً: بشمهندس حازم!
وعاد لابتسامته الصافية قائلاً: هو أنا أقدر أنسى الناس اللي قضيت معاهم الخدمة العسكرية.
فضحك حازم بلطافة، وتأمل نظرات خطيبته وزهرة حتى تابع قائلاً: أسوأ سنة يا ابن الناس الطيبة.
فوقعت عين زهرة بصدمة على ذلك الشخص الذي يقف يتحدث مع حازم وعيناه تتطلع عليها بمكر.. حتى ابتسم حازم قائلاً: جميلة بنت خالتي وخطيبتي.. ودي زهرة أختها.
ليتذكر شريف قصص حازم عندما رافقه سنة كاملة في الخدمة العسكرية في محافظة الإسكندرية.. وكان كل حديثه عن حبيبته التي كانت في أول عام لها بالجامعة وانتهت القصة بخطوبتهما كما كان يحلم.
فرحب بها شريف بلطافة، وتأمل أعين تلك الواقفة بهدوء دون أن ينطق بكلمة.
حتى عاد حازم بالحديث قائلاً: أنت بتعمل إيه هنا صحيح؟
فابتسم شريف قائلاً: فرح ابن خالتي.
فنطق حازم دون تصديق قائلاً: مش معقول بشمهندس فارس يبقى ابن خالتك، فعلاً الدنيا دي صغيرة.
فلمعت عين شريف بحنين للدنيا التي قد تركها وسط أهله، لكي يهرب لعالم آخر لا يوجد فيه سوى طموحاته فقط..
وانتبه لصوت تلك الهادئة وهي تتحدث مع أختها بهمس.
حتى أتت جميلة بالقرب منهم قائلة: حازم لحظة وراجعين معلش.
وسارت الأختان بعيداً، حتى تابع شريف حديثه قائلاً: ممكن رقم تليفونك يا حازم!
……………………………………………………….
دلفت داخل شقتها الفخمة في أرقى أحياء القاهرة، حتى سمعته يصرخ قائلاً: اتفضلي ادخلي يا هانم، ضيعتي عليا سهرة النهاردة.
فاتجهت هي ناحية غرفة صغيرها لتضعه على فراشه حتى جاءت إليه وهي تصرخ به غاضبة: سهراتك اللي في الكباريهات صح.. حرام عليك أنا كرهت حياتي وعيشتي معاك، طلقني وارحمني يا مجدي
فتعالت صوت ضحكاته وهو يتأمل تفاصيل جسدها من فستانها الضيق، حتى أزاح ذلك الوشاح الذي تضعه على كتفيها وهمس في أذنيها قائلاً ببرود: مادام السهرة التانية ضاعت بسبب فرح أخوكي.. يبقى…
وكاد أن يُكمل عباراته حتى وجدها تنفر من لمسة ذراعيه على جسدها، ليطالعها بغضب قائلاً: يبقى زي كل يوم.
وحملها بجمود وهو يُتمتم بوقاحة: برضاكي أو غصب عنك يا مريم.. حقي الشرعي هاخده يعني هاخده.
ولم يكن منها سوى أنها ظلت تصرخ وهي تُتمتم: حرام عليك ارحمني!
…………………………………………………………
ارتسمت ابتسامة جميلة على شفتي تلك السيدة الطيبة، وهي ترى أولادها أمام أعينها يضحكون.. فأكملت وضع الطعام مع خادمتها وهي تتحدث قائلة: يا نسرين سيبي أخوكي في حاله.
فوقفت نسرين ببطنها المنتفخة قائلة: يا ماما أصله كان واحشني أوي دي سنين طويلة، ده أنا خليت ممدوح يقطع إجازة عيد جوازنا وجيت جري.. ده أنا معملتهاش عشان فرح فارس، بس عشان خاطر عيون الجميل اللي واحشني لازم أجيله لو كنت في آخر المريخ.
فأزاحها شريف عن قدميه قائلاً وهو يضحك: بقيتي زي الباندا يا سوسو..
فضحكت أمها بسعادة من مداعبة بكرها لأخته قائلة: وأخوكي ليه منزلتش معاكي، مش مشاكل القرية السياحية بتاعته اتحلت.. الواد ده واحشني أوي هو ومراته.
وجلسوا جميعهم على طاولة الطعام، ليتنهد شريف قائلاً: ابنك هشام بقى بيزنس مان ناجح أوي يا حجة.
فابتسمت أمه بسعادة وهي تطعمه بيدها قائلة: الله يرحمك يا محمود كنت دايماً تقولي ولادي هيكونوا رجالة ناجحين.. مش لازم أكنز ليهم الفلوس أهم حاجة أربيهم وأعلمهم وهما بعد كده اللي هيعملوا الفلوس.
فنظرت نسرين إلى أخاها بصمت، حتى سمعوا صوتاً ينطق قائلاً: أجمل صباح لأجمل مرات عم وحما في الدنيا.
ثم نظر إلى زوجته بعشق وجلس بجانبها وهو يهمس قائلاً: وحشتيني يا حبيبتي.
فرفع شريف رأسه عن طبقه قائلاً بنفاذ صبر: ما تتلم، مش ملاحظ إني موجود؟
وعندما وضع ممدوح يده على بطن زوجته، انفجروا جميعهم من الضحك.. وممدوح يُحدث طفله قائلاً: خالك بيقولي اتلم عشان بعاكس أمك.. شكله نسي إن أخته خلاص بقيت بح.
فابتسم شريف بحب وهو يتأمل خجل أخته الصغيرة وطفلتها كما كان يُسميها.. حتى قالت أمه بسعادة: شريف قرر يتجوز يا ممدوح.
لتقف نسرين قائلة بتهلل: بجد بجد يا شريف.. أكيد شوفتها امبارح في فرح فارس.. قولي مين ها.. حد من قرايبنا صح؟
فتابع زوجها بالحديث قائلاً وهو يغمز له: شكلها واحدة فرنسية.
فتنهد بتأفف وهو يرى نتائج لحظة تهوره قد انسكبت عليه.. حتى ابتسمت أمه قائلة: ابني مش هيتجوز من بنات أوروبا بلا فرنسية بلا إنجليزية…
فنظر هو إلى طبقه بضيق حتى تذكر ما كلفه به فارس بأن يُتابع أخبار شركته الهندسية فنهض متحججاً قائلاً: متستعجلوش، قريب أوي هتعرفوا هي مين.
وانحنى بجسده كي يطبع قبلة حانية على جبين والدته ثم أيديها قائلاً: متقلقيش يا ست الكل، هي مصرية!
وتركهم جميعاً مذهولين، وغادر أمام أعينهم بأناقته ووقاره الذي أصبح يمتاز بهما.
…………………………………………………………
جلست بجانب والدها وهو يتفحص جريدته حتى قالت له بهمس: بابا، أنا عايزة أقولك على حاجة.
لتسمع صوت أمها يُناديها من المطبخ قائلة: يا زهرة يا بنتي، تعالي ساعديني الله يخليكي.
فنظر إليها والدها بتوجس حتى قال: سيبك منها، قولي عايزة إيه يا بنت أبوكي.
فلمعت أعينها بسعادة قائلة: عايزة أشتغل زي جميلة.. أنا لقيت إعلان في جريدة امبارح وبفكر أقدم فيها.
فنظر إليها أباها بفرحة قائلاً: أخيراً يا بنتي!
فتأملت أعين أباها وهي تتذكر أنه رغم شدة ذلك الرجل إلا أنه لم يهدم حلم أحد فيهم أبداً سواء هي أو أختها… ولم يجبرهم على شيء.. فحين تخرجت أختها جميلة وأرادت أن تخطو أول خطوة لها في البحث عن عمل قد شجعها.. وعندما هي تخرجت ولم ترغب في أن تعمل لم يفرض عليها رأيه ولكن هي أحبت أن تجلس مع والديها ترعاهم وتُساعد أمها في أعباء المنزل.
فنطقت بسعادة وهي تُقبل يده قائلة: أحلى فنجان قهوة محوج هعملهولك يا عم منصور يا عسل أنت!
…………………………………………………………
أخذ يُتابع سير العمل بهدوء، حتى وجد هاتفه يرن لينتبه إلى اسم المتصل ليُحادثه قائلاً: أهلاً بالعريس اللي دبسني في الشغل، يعني أنا نازل إجازة أطمن على خالتك وماشي تدبسني.
ليضحك فارس وهو يُحادثه قائلاً: جاي عشان خالتي ولا عشان الصفقة الجديدة اللي هتعملها هنا، وكمان يا عم شريف أنت ناسي إن ليك نسبة في الشركة وبتاعتك زي ما هي بتاعتي.
فتمتم شريف بضيق قائلاً: فارس قولتلك مليون مرة دي شركتك ومش معنى إني ساعدتك يبقى آخد تعبك ومجهودك.
ليأتيه صوت فارس قائلاً: مش عارف أقولك إيه يا شريف، أنت فعلاً أخويا… وتابع بحديثه قائلاً: أخبار الشغل إيه صحيح؟
ليتأمل شريف أحد الأوراق قائلاً: متقلقش كله تمام، روح انبسط مع مراتك.
وأغلق الهاتف في وجهه وهو يبتسم، حتى وجد هاتفه يرن ثانية ولكن برقم أخيه هشام الذي هلل قائلاً: بارك لي يا شريف.. نهى حامل!
………………………………………………………….
مسحت دموعها بسبب ذلك البصل اللعين، حتى وجدت أمها تضحك قائلة: عشان تبقي ست بيت شاطرة، لازم تحاربي البصل.
فتمتمت زهرة قائلة: ما أنا بسبب بصلك يا ست الكل قررت أسيب المطبخ كله ليكي وأدور على شغل، وحاربي أنتي البصل يا نور عنيا.
فطالعتها أمها قائلة: شغل إيه يا بنتي، مش كفاية أختك متبهدلة؟ أنا لولا إن معاها حازم مكنتش رضيت أبداً.. ربنا يكرمك بإنسان يهنيكي ويسعدك بلا شغل بلا هم.. ما أنا اشتغلت في شبابي وسيبت الشغل عشان أربيكم بعد ما خسرت بسببه أخوكي.
ودمعت عين والدتها بالذكريات، فاقتربت من والدتها وهي تشفق عليها بسبب هذه الذكرى رغم أنها لا تذكرها.
زهرة بحنان: يا ماما ده قضاء ربنا ومن سنين طويلة.. ادعي له.
فنطقت والدتها بصعوبة قائلة: يا حبيبي الحُمى كانت جاية جامدة عليه ومستحملهاش، كان طفل صغير، لو كان عايش دلوقتي كان زمانه راجل كبير.
فابتسمت زهرة لأمها بحب قائلة: يا ماما يا حبيبتي، ربنا مش بيحرمنا من حاجة غير لما بيعوضنا بغيرها، وقبل ده كله لكل بلاء حكمة يصحبها الخير.
فمسحت أمها دموعها، وهي تُتمتم قائلة: الحمد لله، أنا راضية يارب سامحني..!
…………………………………………………………
نظر حازم بدهشة لما سمعه منذ لحظات، حتى تابع هو بحديثه قائلاً: مالك يا حازم؟ هو طلبي ضايقك؟
فابتسم حازم بسعادة قائلاً: بس أنت مشوفتش زهرة غير مرة واحدة، إزاي عايز تتقدم ليها؟
فتأمل شريف معالم الغرابة التي ارتسمت عليه حتى قال وهو يربت على أحد أكتافه: وهي المرة دي متكفيش إني أتقدم ليها؟ ها، قولت إيه؟
لتلمع عين حازم بحب قائلاً: القرار مش بإيدي، أنا هكون مرسال، بس أتمنى من كل قلبي إن زهرة تبقى ليك يا بشمهندس.
………………………………………………………….
دلفت داخل شقتهم بتعب وهي تحمل أوراقها بخيبة أمل، حتى وجدتهم جميعهم يجلسون ويتسامرون..
فتأملها حازم وجميلة بسعادة وأيضاً والدها.
حتى وقفت والدتها واقتربت منها لتحتضنها قائلة: مبرووك يا زهرة يا حبيبتي!
 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *