سر عمري ل منال علي ج١

في اللحظة دي، حسيت إن جدران الصالة بتطبق على نفسي. الهوا اللي في الأوضة فجأة بقى شحيح وساقط كأنه جليد. الممر اللي كان ضلمة من شوية، وبيهرب منه شريف وهو نايم، اتملى فجأة بظله التقيل الطويل اللي كان مغطي على نص الصالة.
أنا مكنتش قادرة أتحرك. صوابعي كانت متجمدة فوق الكيبورد، وعينيا لسه مبرقة في الجملة الأخيرة من إيميل طارق: *”أنا رجعت يا نادين”*.
شريف خطى خطوتين بطيئة ناحيتي. صوت خطواته الحافية على السيراميك كان بيعمل صدى مرعب جوة وداني. انحنى شوية عشان يبص على الشاشة بوضوح أكتر، ملامحه كانت مشوهة بالدهشة، ميكس غريب بين النوم اللي لسه مالي عينيه، والفضول اللي بدأ يتحول لشك مرعب. بقلـم حكايات منـال علي
“مين طارق ده يا نادين؟”
كرر سؤاله تاني، بس النبرة المرة دي كانت أهدى.. والهدوء ده كان بيخوفني أكتر من الزعيق. الهدوء اللي بيسبق العاصفة دايماً.
أنا بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت كأن حلقي فيه شوك. لفيت
رقبتي ببطء وبصيت له. حاولت بكل ما أوتيت من قوة وقدرة على التمثيل -القدرة اللي دربت نفسي عليها سنين- إني أرسم ملامح طبيعية ومستغربة على وشي.
“شريف.. إنت صحيت إمتى؟” قولت بصوت مهزوز بس حاولت أخليه هادي.
شريف ماردش على سؤالي. عينيه نزلت على التليفون اللي في إيدي، ومنه ل شاشة اللابتوب اللي كنت بحاول أقفلها ببطء من غير ما أثير شكوكه أكتر. بس هو لمح الحركة دي، ومسك إيدي فجأة. مسكته مكنتش عنيفة، بس كانت قوية لدرجة تمنعني من الحركة.
“أنا بسألك.. ومستني إجابة. مين طارق اللي باعتلك إيميل بيقولك فيه ‘أنا حاولت كتير أنساكي وماعرفتش’؟ ومين نادين اللي هو تعبان ومحتاج يشوفها لمرة واحدة بس؟”بقلـم حكايات منـال علي
عينين شريف كانت بتتحرك بسرعة بين عيني وبين الشاشة. النظرة الممتنة والضعيفة اللي كانت في عينيه امبارح وهو بيعيط على حبيبته، اتخرست تماماً وحل مكانها غضب راجل حاسس إن كرامته بتتهان في عقر داره.
أنا أخدت نفس طويل. كنت عارفة إن الكدب المباشر في الموقف ده هيوسع الفجوة، بس الحقيقة كاملة كانت هتهد البيت فوق دماغي ودماغه. كان لازم ألاقي مخرج يخليني أبان بريئة، وبسرعة مرعبة عقلي اشتغل عشان ينقذني.
“ده.. ده زميل قديم في الشغل يا شريف.” قولت ودموعي نزلت بجد، بس المرة دي دموع رعب وخوف مش وجع على طارق. “طارق ده كان مهندس معانا في الشركة القديمة قبل ما أسيبها من تلات سنين.”
شريف ساب إيدي ورجع خطوة لورا، حط إيده في وسطه وبصلي بشك: “زميل قديم باعتلك إيميل شخصي الساعة واحدة بالليل يقولك حاولت أنساكي ومش عارف؟ هو كان فيه إيه بينك وبينه يا نادين عشان يكتب الكلام ده؟ إنتي كنتي على علاقة بيه؟”بقلـم حكايات منـال علي
جملة “إنتي كنتي على علاقة بيه؟” نزلت عليا زي السكين. في اللحظة دي، افتكرت كلامي لنفسي امبارح: المجتمع اللي بيدي للراجل الحق ينهار على حبيبته القديمة، هو نفسه اللي هيصلب الست لو شكت مجرد شك في خيالها.
“علاقة إيه يا شريف؟! إنت بتقول إيه؟!” صرخت بصوت واطي عشان الجيران، بس نبرتي كانت مليانة قهر مصطنع وحقيقي في نفس الوقت. “إنت عارفني كويس وعارف أهلي.. أنا عمري ما كلمت ولد برة الشغل، وعمري ما سمحت لنفسي بكدة. طارق ده كان معجب بيا من بعيد في الشركة، ولما عرف إني هتجوز سافر وقطعنا أي كلام. أنا حتى ممسكتش إيده ولا خرجت معاه خروجة واحدة!”بقلـم حكايات منـال علي
“أمال الإيميل ده معناه إيه؟!” شريف زعق وهو بيشاور على الشاشة. “ده باعت كأنه بيكلم واحدة كانت شريكة حياته! ‘تعبان ومحتاج أشوفك’.. ده كلام يتبعت لواحدة متجوزة؟!”
“هو باعت من وراه قلبه يا شريف! أنا ذنبي إيه؟!” وقفت وواجهته وأنا بمسح دموعي بقوة. “هو اللي باعت، مش أنا اللي دورت عليه ولا أنا اللي كلمته! أنا كنت بشتغل، وفجأة جالي الإشعار ده وصدمتي ووجعي من جرأته عليا هي اللي خلتني أعيط! كنت بعيط عشان خايفة على بيتي، وخايفة تفهمني غلط.. والظاهر إن خوفي كان في محله!”





