ياسين وليلي لسهر

ياسين ملامحه متتهزتش، الجليد اللي في صوته كان يوجع أكتر من الضرب: “هيعيش.. لو وافقتي على شرطي. من النهاردة إنتي مش ممرضة هنا. إنتي المساعدة الشخصية بتاعتي، وتحت طوعي 24 ساعة.. هتدوقي الذل في كل ثانية لحد ما أخليكي تتمني الموت وماتطوليهوش. تمضي العقد؟ ولا أنزل أدي أمر يرموا أخوكي بره المستشفى دلوقتي حالا في الشارع؟”
بصتله بانهيار، مفيش أي مفر. مدت إيدها المرتعشة عشان تاخد القلم، بس قبل ما تمضي، باب الأوضة اتفتح فجأة، ودخل طفل صغير عنده حوالي سنتين ونص، بيبكي بخوف، شعره أسود كثيف وعينيه رمادي… نسخة مصغرة من ياسين.
الطفل جري على ليلى واستخبى في رجليها وهو بيعيط:
“ماما.. ماما..”
ياسين جسمه اتصلب. بص للطفل، وبص لملامحه اللي كأنها مراية ليه، وبعدين رفع عينيه لليلى اللي وشها جاب ألوان والموت بان فيه، وقال بصوت مهزوز، القناع البارد بتاعه وقع لأول مرة:
”ابن مين ده يا ليلى؟!”
ليلى بلعت ريقها وبصت للباب المفتوح بخوف، لو عرف الحقيقة.. العيلة كلها هتتقتل!
للكاتبه #سهر_محمد
الحلقة الثانية: “ظلال الشك”
تجمدت ليلى في مكانها، دقات قلبها كانت مسموعة في أرجاء المكتب. نظرات ياسين لم تكن مجرد غضب، كانت نظرات “باحث عن حقيقة”.
سحب ياسين يده من على كتف آدم، وقال بنبرة هادئة ومريبة: “ابن اختك؟ ماشي يا ليلى. بس العيون دي… العيون دي عيون الجارحي، مش عيون أي حد تاني.”
ليلى حاولت تمسك أعصابها، ردت بصوت يحاول الثبات: “الوراثة يا ياسين مش دايمًا بتمشي زي ما إنت فاكر. آدم ملامحه خدها من أبوه، وأنا مش مسؤولة عن التشابه اللي إنت شايفه.”
ياسين ضيق عينيه، كان بيحاول يفتش في ملامحها عن أي كذبة. سكت لحظة، وبعدين رجع لكرسي المكتب، فتح ملف قدامه وقال ببرود: “مش وقته نناقش شجرة العيلة. دلوقتي، إنتي هنا عشان تشتغلي، مش عشان تتحديني. المكتب جنبك، هتمضي العقد وتستلمي مهامك. وممنوع تماماً دخول الطفل ده المستشفى تاني. دي سياسة مستشفى، مش دار حضانة.”
ليلى شعرت بالمهانة، سحبت آدم وخرجت من المكتب بدموع محبوسة. طول الأسبوع اللي بعده، كانت بتعيش في جحيم حقيقي. ياسين كان بيتعمد يرهقها بالشغل، بيبعتها ملفات قديمة، بيطلب منها تقارير في أوقات متأخرة، وكل ما يشوفها، عينه مابتبعدش عن ملامحها، وكأنه بيحاول يربط خيوط لغز مش عارف يحله.
في يوم، كانت ليلى بتراجع ملفات الموظفين في مكتب الأرشيف، ووقعت إيدها بالصدفة على “ملف مالي” خاص بمصاريف جناح مروان (أخوها). اتصدمت لما شافت ورقة بتأكد إن الشركة اللي كانت بتمول علاج مروان “اتسحبت” تماماً، وإن المستشفى قررت توقف علاجه بحجة تراكم الديون!
جريت على مكتب ياسين من غير ما تخبط.
“ياسين! إنت بتعمل إيه؟ مروان حالته بتسوء، والإدارة بتقولي لازم يخرج خلال 24 ساعة لو مدفعتش المبلغ!”
ياسين كان بيوقع ورق، رفع عينه ببطء: “المستشفى مش جمعية خيرية يا ليلى. مروان دخله كان بتمويل خارجي، والتمويل ده وقف. إنتي موظفة هنا، وعارفة القوانين.”
ليلى فقدت أعصابها: “أنا عارفة إنك إنت اللي أمرت بده! ليه؟ مروان ملوش ذنب في اللي حصل بيننا!”
ياسين قام من على الكرسي، قرب منها لحد ما بقوا في مواجهة، صوته كان واطي بس تقيل زي الرصاص: “عايزة تعرفي ليه؟ عشان أشوفك بتنكسري. أشوفك بتتحاولي، بتضعفي، بتدوري على مخرج. كنت فاكر إنك بعد ما بعتيني، هتكوني عايشة في القصور، بس لما عرفت إنك عايشة في شقة إيجار، وبتشتغلي ورديتين عشان تعالجي أخوكي.. بدأت أسأل نفسي: لو كنتِ خدتي فلوس من عمي تمن خيانتي، فلوسك راحت فين؟”
ليلى بصتله بذهول: “فلوس؟ إنت فاكر إن عمك أداني فلوس؟ إنت بجد مريض يا ياسين!”
فجأة، تليفون ياسين رن. كان المدير الطبي للمستشفى. ياسين رد، ملامحه اتغيرت من السخرية للجدية التامة. “إيه؟.. مروان دخل في أزمة تنفس؟.. طيب، أنا جاي حالاً.”
بص لليلى وقال: “روحي معاه.. مروان في العناية المركزة، والحالة صعبة.”
ليلى جريت بكل قوتها، لقت مروان في حالة يرثى لها، والدكاترة حواليه في حالة طوارئ. الدكتور المسؤول خرج وقال لليلى بأسف: “الحالة محتاجة جراحة دقيقة، والقلب مجهد جداً، ومحتاجين متبرع فصيلته تكون نادرة (O Negative)، ومش متاح عندنا في بنك الدم غير كيس واحد، ومروان محتاج أكتر من عملية نقل.”
ليلى بصت للدكتور بانهيار: “أنا.. أنا فصيلتي زي فصيلته!”
الدكتور هز راسه: “للأسف يا مدام ليلى، إنتي لسه خارجة من دور أنيميا حاد، لو اتبرعتي بدمك دلوقتي، حياتك هتبقى في خطر. إحنا محتاجين متبرع فوراً، أو مروان مش هيستحمل.”
ليلى بصت حواليها، مفيش حد.. مفيش غير ياسين اللي واقف بيبص من بعيد.
ياسين، اللي كان بيسمع كل كلمة، دخل وسطهم. بص لليلى اللي بتعيط بانهيار، وبص لمروان اللي بين الحياة والموت.
ياسين بهدوء مرعب، التفت للدكتور وقال: “أنا فصيلتي نفس الفصيلة.”
ليلى اتجمدت. ياسين؟ المتبرع هو ياسين؟
ياسين قرب من ليلى، مسك دراعها بقوة وقال في ودنها بصوت خافت: “هتبرع لمروان، وهدفّع المستشفى تمن علاجه كامل. بس في مقابل ده.. الليلة دي، هعرف الحقيقة. هعرف ليه مروان دمه من فصيلتي، وليه وش ابنك بيحرق أعصابي. وبعد ما يخرج من العملية.. الحساب التاني هيبدأ.”
دخلوا ياسين ومروان العمليات. ليلى قاعدة بره، أعصابها مشدودة، حاسة إن حياتها كلها بتنهار. لو ياسين عرف إن مروان أخوها “بالتبني” أو “بالدم”، ولو عرف إن آدم ابنه.. مش بس هيخسرها، ده ممكن يدمرها.
بعد 4 ساعات، خرج الدكتور. ليلى قامت بسرعة: “طمنا يا دكتور!”
الدكتور بصله بتعب: “العملية تمت، بس المريض في حالة حرجة وهيفضل تحت الملاحظة. وياسين بيه.. كان متبرع ممتاز.”
خرج ياسين بعد دقايق، وجهه شاحب، لسه لابس لبس العمليات، وبيبص لليلى نظرة غريبة.. نظرة فيها مزيج من الشك، والألم، والانتصار.
قرب منها، ومسك إيدها بقوة وسحبها لمكتبه، وقفل الباب بالمفتاح.
“دلوقتي.. مروان بقى كويس بسببي. قوليلي يا ليلى.. إنتي ليه في الملفات اللي في خزانتي القديمة كنتِ كاتبة إن مروان فصيلته A+؟ وليه النهاردة الدكتور قال إن فصيلته O Negative.. نفس فصيلتي بالظبط؟”
سكت ياسين لحظة، وكمل وهو بيقرب منها أكتر:
“يا تطلعي الحقيقة دلوقتي، يا أقسم بالله هخليكي تندمي إنك اتولدتي.. مين هو مروان.. ومين هو آدم؟”
ليلى حست إن السك..ينة على رقبتها، ومفيش مفر.
هل ليلى هتضطر تعترف بالحقيقة لياسين؟ وإيه هيكون رد فعله لما يعرف الحقيقة كاملة؟ تفتكروا مروان هيخبي عنها حاجة لو فاق؟
تابع الحلقه اللي بعدها علطول





