بناتي

إسماعيل مكنش حاسس بجسمه وهو بيتحرك. الأوكسجين اتقطع عن الأوضة فجأة، وعوض لقى نفسه بيتكعبل في الكرسي اللي اتقلب ورا إسماعيل وهو بيحاول يلحقه. “إسماعيل بيه! اهدي يا فندم بلاش تظهر دلوقتي عشان نعرف نثبت كل حاجة!” عوض صوته كان طالع مكتوم ومخضوض، بس إسماعيل مكنش بيسمع. الصوت الوحيد اللي كان شغال جوه دماغه هو صوت تزييق الباب الخشب القديم بتاع المخزن وهو بيتقفل على بنته الصغيرة. صرخة مريم المكتومة، المخنوقة، اللي طلعت وهي بتتسحل على الأرض، كانت بتنهش في قلبه زي السكاكين.
نزل على السلم اللي بينزل لأوضة المراقبة كأنه طلقة رصاص. عوض جرى وراه وهو ماسك الجهاز اللاسلكي في إيده وبيوجه الرجالة برة: “اقفلوا البوابات! مفيش نملة تخرج من الفيلا! سامعين؟ مفيش حد يتحرك!” إسماعيل دفع الباب الحديد اللي بيفتح على الممر الخلفي بقوة لدرجة إنه رزع في الحيطة وعمل صوت زلزل المكان. كان بيجري في الطرقة الطويلة اللي بتوصل لقلب الفيلا، وكل خطوة كانت بتفكر بمراته الله يرحمها، لما كانت توصيه على البنات وهي على فراش الموت وتقول له: “إسماعيل، البنات دول حتة من قلبي، أوعى في يوم تسيب حد يكسرهم.” وهو بكل غباءه، وبكل ثقته العمياء في واحدة متعرفش ربنا، كان هيضيعهم.
في الريسبشن فوق، شيرين كانت واقفة بتنفض إيديها بقرف وكأنها كانت بتتعامل مع حاجة قذرة. ندى كانت لسه ساجدة في الأرض، حاطة راسها بين رجليها وبتعيط بصوت هس هس، خايفة حتى ترفع عينها وتشوف شيرين وهي بتبص لها بنظرات الانتصار الغريبة دي. سعاد كانت واقفة مشلولة، دموعها نازلة على وشها الأصفر اللي بان عليه العجز وقهر السنين، إيديها كانت بترتعش وهي ماسكة فوطة المطبخ، ومش قادرة تتحرك خطوة واحدة لإنها عارفة إن أي حركة منها هتدفع تمنها البنات.
فجأة، الهدوء ده اتقطع بصوت رزع مرعب جاي من ناحية الممر الداخلي. الباب الخشب الكبير بتاع الصالة اتفتح بضربة رجل عنيفة لدرجة إن القفل بتاعه اتكسر ووقع على الأرض. شيرين اتخضت ولفت بسرعة، ملامح وشها اتقلبت في ثانية من الجبروت للرعب لما شافت إسماعيل واقف على الباب.
إسماعيل مكنش إسماعيل اللي هي تعرفه. قميصه كان مفتوح من عند الرقبة، عروق جبهته كانت بارزة وبتنزف عرق من كتر الغضب، وعينيه كانت حمراء زي الجمر. ندى أول ما شافت أبوها، صرخة هزت أركان الفيلا: “بابااااا!” وجريت عليه، رمت نفسها في حجر بكت بكل قهر الطفولة اللي انحبس جواها بقاله شهور. إسماعيل نزل على ركبه، أخد ندى في حضنه وضغط عليها بكل قوته، وكان بيترعش وهو بيبص لشيرين اللي رجعت خطوتين لورا ووشها بقى أبيض زي القماشة البيضا.





