بناتي

​”إسماعيل؟!” شيرين نطقت الكلمة بصوت مخنوق، وحاولت في ثانية تغير قناع الوش المرعب وترجع لوش القطة الوديعة، بس عينيها كانت بتفضحها وهي بتبص وراه وتشوف عوض داخل ومعاه اتنين من الحرس. “حبيبي.. أنت رجعت؟ أنا.. أنا كنت بس..” لسانها اتقل ومبقتش عارفة تجمع جملة على بعضها.

​إسماعيل وقف ببطء، من غير ما ينطق ولا كلمة. رفع إيده وشاور لعوض وقال بصوت فاحم، صوت طالع من قاع جرح غويط: “هات مريم من المخزن يا عوض. واقفل الباب ده، مفيش مخلوق يخرج.”

​عوض جرى بسرعة على الطرقة، وشيرين حست إن الأرض بتهتز تحت رجليها. بدأت تفرك في إيديها وتقرب من إسماعيل بخطوات مهزوزة: “إسماعيل، اسمعني بس، أنت فاهم غلط.. البنت الصغيرة دي شقية جداً وكانت بتكسر الحاجة وأنا كنت بس بربيها.. أنا بعمل كل ده عشان مصلحتهم، عشان أبقى أم ليهم بجد!”

​إسماعيل ضحك. ضحكة مكتومة، مرعبة، خلت شيرين تتجمد في مكانها. قرب منها خطوة بخطوة، وكل خطوة كانت بتخلي شيرين ترجع لورا لحد ما ضهرها لمس الحيطة. “أم؟” إسماعيل نطق الكلمة وكأنه بيسمعها لأول مرة. “أنتِ؟ أنتِ كنتِ هتبقي أم لبناتي? يا شيخة ده أنتِ الشياطين تتعلم منكِ الكدب والغل.”

​في اللحظة دي، عوض رجع وهو شايل مريم على كتافه. البنت كانت وشها غرقان دموع وتراب، وأول ما شافت أبوها، مدت إيديها الصغيرة وهي بتشهق ومبقتش قادرة تطلع الصوت من كتر الخوف. إسماعيل خطفها من إيد عوض وحضنها هي وأختها ندى، وبقى حاططهم ورا ضهره كأنه جيش بيحمي أثمن ما يملك في الدنيا. بصلهم وقال بصوت حنين مليان دموع: “سامحوني يا بناتي.. سامحيني يا مريم.. أبوكم كان أعمى، بس خلاص، مفيش كلب في الدنيا هيلمس شعرة منكم تاني.”

​التفت لشيرين، ونظرة الحنان اللي كانت في عينه للبنات اتحولت لنظرة مميتة. “سعاد!” إسماعيل نادى بصوت عالي. سعاد قربت وهي بتترعش ودموعها نازلة: “نعم يا إسماعيل بيه.. والله العظيم أنا..” إسماعيل قاطعها برفع إيده: “أنا عارف كل حاجة يا سعاد. شفت كل حاجة بعيني في الكاميرات. شفت مين الجربوعة الحقيقية ومين بنت الأصول. حقك عليا، ورقبتي سدادة لأي كلمة اتقالت في حقك.” سعاد انهمرت في العياط وقعدت في الأرض وهي بتقول: “الحمد لله.. الحمد لله إن الحقيقة ظهرت يا بيه.”

​شيرين لما لقت إن كل الأوراق اتكشفت، وإن التمثيلية اللي عاشت ترتبها شهور عشان تسيطر على ثروة إسماعيل والفيلا دي اتهدت في لحظة، ملامحها رجعت تاني للقسوة والغل. صرخت في إسماعيل: “جرى إيه يا إسماعيل؟ هتعمل عليا راجل وأنت بقالك شهور مصدق كل كلمة بقولها لك؟ أنت اللي غبي! أنت اللي كنت مأمن ومسلمني كل حاجة! وبعدين كاميرات إيه وبتاع إيه، أعلى ما في خيلك اركبه، أنا همشي من هنا ومش هتشوف وشي تاني، بس افتكر إن الشيكات اللي أنت مضيت عليها بتاعة المؤخر والفيلا لسه معايا، وهخرب بيتك بالقانون!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *