عيد ميلاد بقلم روماني مكرم 2

الجزء الرابع:

أصوات الأجهزة في أوضة العناية المركزة كانت زي ضربات طبول مرعبة. الدكتورة دينا فؤاد دخلت الأوضة بتجري، وراها طاقم التمريض بالكامل. مؤشر ضربات القلب على الشاشة كان بيترسم في خطوط عشوائية نازلة وطالعة بسرعة جنونية، والضغط وصل لـ 50 على 30.

— بسرعة! الدكتورة دينا صرخت وهي بتركب سماعة الطبيب على صدر ندى… “جهّزوا جهاز الصدمات الكهربائية (الدي سي) على 200 جول! مفيش وقت، البنت بتضيع مننا!”

الممرضة حطت الجل بسرعة على صدر ندى الشاحب، والدكتورة مسكت المقابض الحديدية وقالت بصوت قوي هز الأوضة: “ابعد عن السرير… اضرب!”

جسم ندى اتنفض لفوق ورجع نزل على السرير تاني كأنه جثة هامدة. الشاشة لسه بتصفر الصفرة المستمرة المرعبة.

— شحنة تانية على 300! صرخت دينا وعرقها بينزل بغزارة… “ابعد… اضرب!”

مرة تانية اتنفض الجسم، وفجأة، الخط المستقيم بدأ يتحرك ببطء… “طوط… طوط… طوط…” النبض رجع بس ضعيف جدًا. الدكتورة دينا سحبت نفسها لورا، ورفعت إيديها وهي بتنهج وقالت: “زودوا نسبة الأكسجين في جهاز التنفس الصناعي، وعلقوا كيس دم تاني فورا.. البنت دي متمسكة بالحياة عشان ابنها، مش لازم نسيبها”.

في نفس اللحظة، في مبنى حجز قسم الشرطة، كان كريم الشناوي مرمي في ركن ضلمة. هدومه الكحلي اللي كان بيظبطها قدام المراية اتبهدلت، وبرفانه غطت عليه ريحة الحجز القاسية. كان قاعد ضامم ركبه لتربيعة صدره، والكلبش لسه معلم في إيده. المساجين اللي معاه في الحجز كانوا بيبصوا له بنظرات استحقار بعد ما عرفوا قضيته من أمين الشرطة؛ لأن حتى في عالم المجرمين، الست اللي بتنزف وبتولد ليها حرمة.

واحد من المسجونين، راجل عجوز ووشه مليان جروح، تف على الأرض وبص لكريم وقال بنبرة قرف:

— بقى في دكر يسيب مراته بتموت في دمها ورايح يهيص في عيد ميلاد؟ ده إنت لو وقعت في إيد أبوها اللواء برة، مش هيخلي فيك حتة سليمة.. ادعى ربنا البنت تقوم، لأنها لو جرى لها حاجة، إنت هتدفن هنا.

كريم حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط بهيستريا. لأول مرة يحس بالندم الحقيقي، مش عشان ندى، لكن عشان نفسه ومستقبله اللي ضاع في لحظة طيش وأنانية. تذكر شكل شقته، والدم اللي كان مالي المطبخ، وصوت الباب وهو بيقفله بعنف.. كل حاجة كانت بتطارده في الضلمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *