وعدالصعيدي

Maya khaled

مايان رفعت راسها، وفي اللحظة دي بس، الغيمة اللي كانت في عيونهم راحت، وبدأت حياة جديدة، حياة مفيهاش شك، مفيهاش رعد، مفيهاش غير عاصم ومايان والعهد اللي اتكتب بالدم والطهر.
مرت الأيام، والدوار اللي كان فيه جفا، بقى بيت العز. عاصم مابقاش يفارق مايان، وبقى يشاركها في كل كبيرة وصغيرة. وفي ليلة هادية، وهما قاعدين في الحوش تحت النخل، مايان حطت يدها على بطنها وبصت لعاصم بابتسامة:
عاصم.. الدوار ده محتاج وريث يشيل اسمك، ويشيل طهر أمه.
عاصم شالها ولف بيها وهو بيضحك لأول مرة من قلبه:
وهيطلع سيد الرجال يا مايان.. وهيطلع أول درس يتعلمه، إن الشرف مش كلمة بتتقال، الشرف روح بتتصان.
وانتهت حكاية بنت القاهرة اللي لقت في قلب الصعيد وطن، بعد ما غسل المطر والحق كل وجع السنين.
، بعد مرور خمس سنين، الدوار مابقاش مجرد حيطان وسلا..ح، بقى جنة مايان اللي زرعتها بالحب والصبر.
عاصم كان واقف في وسط الغيط، الشمس حامية بس هو مش حاسس بيها، عينه كانت على عاصم الصغير اللي بقى عنده أربع سنين، لابس جلباب صعيدي صغير وعمامة فكها وهو بيجري ورا أمه وسط الزرع.
مايان كانت ماشية بوقار، وشها منور بضحكة مكنتش بتفارقها من يوم ليلة النصر. عاصم قرب منها، شال ابنه وحطه على كتفه، ومسك يدها وباسها قدام الكل، مابقاش يهمه هيبة الكبار اللي بتمنع الحنية، لأن هيبته الحقيقية لقاها في صونها.
عاصم بهمس: تعرفي يا مايان.. ساعات بقعد مع نفسي وأقول، لو مكنتش سافرت وراكي القاهرة، كان زماني دلوقتي إيه؟
مايان بابتسامة هادية: كنت هتبقى كبير الهوارية يا عاصم، بس من غير قلب.. الأرض كانت هتبقى ناشفة، والدار كانت هتبقى سجن.
عاصم ضحك وشدد على يدها:
فعلاً.. إنتِ اللي سقيتي الأرض دي يا بت الناس. رعد في سجنه بياكل في نفسه، والبلد كلها نسيت اسمه، بس اسمك إنتِ بقى ست الدار اللي سيرتها بتعطر المجالس.
فجأة، عاصم الصغير شد أبوه من جلبابه وقال بطفولة:
يا بوي، هو ليه جدي بيقول إنك بطل؟
عاصم بص لمايان نظرة طويلة، نظرة فيها كل الحكاية، من أول ليلة استجارت بيه وهي بتترعش، لحد اللحظة دي.. نزل لمستوى ابنه وقال بصوت فيه فخر:
عشان يا ولدي، البطل مش اللي بيشيل السلا..ح وبس.. البطل هو اللي بيعرف يحمي الأمانة، واللي بيفهم إن الستر والعدل هما اللي بيعملوا الراجل. والدرس ده، أمك هي اللي علمتهولي.
شال ابنه، ومسك يد مايان، ومشيوا التلاتة في وسط الغيط، والكل بيبصلهم بدعوات الخير. الدوار اللي كان شاهد على الجفا والشك، بقى النهاردة شاهد على أعظم قصة حب طلعت من قلب الوجع.. قصة عاصم ومايان اللي أثبتت إن الحق مهما استخبى، نوره في الآخر بيعمي عيون الظالمين.
تمت.
مايا خالد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *