خطيبته بقلم ميرا احمد

خطيبته طلبت من الخادمة المقيّدة أمنية أخيرة… لكن زعيم المافيا سمع كل كلمة
كان الحبل قد شقّ جلد ندى عندما انحنت ياسمين بجوارها وابتسمت.
قالت بصوت هادئ يشبه همسات ليلة زفاف
عايزة تتمني آخر أمنية قبل ما كل حاجة تخلص؟
كانت ندى ممددة على الأرض الأسمنتية الباردة داخل مخزن مهجور بالقرب من ميناء الإسكندرية. لم تعد تملك القوة لتجلس، ولا حتى الدموع لتبكي. ستة أيام كاملة بلا شمس جعلتها تفقد الإحساس بالوقت، فلم تعد تعرف إن كان الوقت صباحًا أم منتصف الليل.
كل ما كانت تعرفه…
أن شقيقها الصغير آدم، ذو التسعة أعوام، ينتظرها.
كان بالتأكيد يجلس بجوار نافذة الحاجة أمينة، ممسكًا بالعلبة المعدنية القديمة التي ظل يجمع فيها نقوده منذ شهور. وما زال يصدق أنها ستعود، لأن ندى لم تخلف وعدًا قطعته له أبدًا.
اقتربت ياسمين أكثر، ولمعت أقراطها الماسية تحت ضوء مصباح يتدلّى من السقف.
همست بابتسامة باردة
يلا… أكيد عندك طلب أخير.
حاولت ندى أن تفتح شفتيها المتشققتين.
قولي لآدم…
ثم انكسر صوتها.
قوليله… إني ما سبتوش بإرادتي.
لأول مرة، تحولت ابتسامة ياسمين إلى ابتسامة حقيقية.
قالت بسخرية
يا خسارة… بكرة كل الناس هتصدق إنك هربتي وسيبتيه.
لم تنتبه أي منهما إلى الظل الواقف خلف باب المخزن.
ولم تسمعا الرجل الذي وضع يده على الباب الحديدي البارد وهو يستمع لكل كلمة.
كان عمر المنشاوي يفرض نفوذه على الميناء منذ أربعة عشر عامًا. نجا من كمائن، وخيانات، وحروب أنهت عائلات كاملة.
لكن عندما سمع ندى تعتذر لطفل لأنها اختفت من حياته…
شعر بشيء داخله يتحطم بطريقة لم تستطع أي رصاصة أن تفعلها.
قبل ستة أيام فقط…
كان يقنع نفسه أنه بالكاد يعرفها.
كانت بداية يوم ندى دائمًا قبل شروق الشمس.
في الرابعة وخمس وثلاثين دقيقة، كانت تنهض من الأريكة الصغيرة داخل الشقة المتواضعة التي تعيش فيها مع آدم.
كانت تطوي البطانية، تغسل وجهها، ثم تُعد الإفطار
قبل أن توقظه للمدرسة.
وفي الأيام التي تضطر فيها للخروج مبكرًا، كانت تترك بجوار طبقه ورقة صغيرة مكتوبًا عليها
كُل فطارك كله…
ومتنساش سندوتشاتك…
الحاجة أمينة هتعدي عليك الساعة سبعة…
بحبك أكتر من نجوم السما.
كان آدم يحتفظ بكل تلك الرسائل داخل صندوق صغير أسفل سريره.
في ذلك الصباح وجدته مستيقظًا.
ابتسمت وسألته
مستخبي إيه؟
أجاب بسرعة
ولا حاجة.
ضحكت وجلست بجواره.
مدت يدها نحو الوسادة، فألقى نفسه عليها وهو يصيح
لأ!
ابتسمت وقالت
واضح إنك مجرم فاشل.
ضحك وقال
أنا مش مجرم… أنا بحضرلك مفاجأة.
مفاجأة لمين؟
نظر إليها باستغراب وكأن الإجابة واضحة.
ليكي إنتِ.
أخرج صندوقًا معدنيًا صغيرًا عليه ملصقات قديمة، وسمعت صوت العملات المعدنية بداخله.
سألته
بقالك قد إيه بتجمع؟
هز رأسه بفخر.
سر.
أبلغ الشرطة؟
ابتسم وقال وهو يشير إلى دمية كلب بعين واحدة
مينفعش… عندي حارس.
ضحكت ندى وقبّلت جبينه.
ثم سألها فجأة
هترجعي الليلة، صح؟
ابتسمت وقالت
أنا عمري ما اتأخرت عليك.
بس الثلاثاء اتأخرتي.
كان عند الأستاذ عمر ضيوف.
قطب آدم حاجبيه.
أنا مش بحبه.
إنت أصلاً متعرفوش.
بس هو اللي بيخليكي تشتغلي كتير.
ابتسمت وهي ترتب الغطاء حوله.
ده شغلي.
فسألها السؤال الذي جعلها تصمت
هو عمره قالك شكرًا؟
لم تجد إجابة.
غادرت الغرفة، بينما اختفت ابتسامتها.
كانت ندى تعمل في قصر عمر منذ خمس سنوات.
بدأت مساعدة في المطبخ، ثم أصبحت الطاهية الخاصة به.
كانت تعرف أنه يشرب قهوته سادة، ويكره البصل، ولا يتناول الإفطار إذا ظل مستيقظًا طوال الليل.
وتعرف أنه يقف أمام نافذة المكتب كلما هطلت الأمطار، وأنه يلمس الندبة الموجودة على فكه كلما ذُكر والده.
كما كانت تعرف أنه يستيقظ أحيانًا من كوابيس مفزعة.
أما هو…
فلم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا.
وصلت ندى إلى القصر قبل السادسة صباحًا، ودخلت من باب العاملين، وارتدت زيها، ثم أعدت قهوة عمر.
وجدته نائمًا في المكتبة.
حتى وهو نائم، لم يكن يبدو هادئًا.
كانت قبضته مشدودة على ذراع المقعد، وقطرات العرق تغطي جبينه.
وفجأة تمتم وهو يحلم
لأ… يا أمي… انزلي!
توقفت ندى مكانها.
كل من يعرف عمر المنشاوي يظنه رجلًا لا يخاف شيئًا.
لكن في تلك اللحظة…
بدا كطفل مذعور، عالق داخل جسد رجل لا يعرف الرحمة.
دخلت المطبخ، وأعدّت كوبًا من البابونج بالعسل، ثم وضعته بجواره، وأحضرت غطاءً خفيفًا وألقت به على كتفيه قبل أن تغادر في هدوء.
لكن صوته أوقفها.
مين اللي عمل كده؟
التفتت بتوتر.
كانت عيناه مفتوحتين.
قالت بخجل
أنا… حضرتك كان باين عليك البرد.
نظر إلى الغطاء، ثم إلى كوب الشاي.
وقال ببرود
أنا مش بشرب بابونج.
ابتسمت بخفة.
بيساعد على النوم.
أجابها وهو ينظر إليها بثبات
أنا مكنتش نايم.
نظرت إلى يده التي ما زالت تقبض على المقعد بقوة.
ثم قالت بهدوء
حاضر يا فندم.
خرج من بين شفتيه صوت خافت… كأنه ضحكة لم تكتمل.
ثم سألها
إنتِ شايفة إني بكذب؟
حكايات_ميراا
ابتسمت ندى ابتسامة صغيرة، لكنها ما ردتش على سؤاله.
قالت وهي مطأطية رأسها
أنا ماليش إني أحكم يا فندم.
فضل عمر يبص لها ثواني طويلة، كأنه مستني منها كلمة زيادة.
لكنها لفت وخرجت بهدوء، وقفلت باب المكتبة وراها.
أول ما اختفت…
بص للكوباية مرة تانية.
مد إيده وشرب منها رشفة.
اتكشّر في الأول، ثم حطها على المكتب وهو بيتمتم
طعمه وحش…
ورغم كده…
لما الخادم دخل بعد نص ساعة يشيل الصينية، لقى الكوباية فاضية.
من فوق سلم الدور التاني…
كانت ياسمين بتراقب كل حاجة.
خطيبة عمر.
ست المجتمع الجميلة، اللي الكل كان فاكر إنها الملاك اللي هيدخل حياته.
لكن عينيها كانت مليانة نار.
قالت لسكرتيرتها الخاصة بصوت منخفض
البنت دي بقت واخدة راحتها أوي.
ردت السكرتيرة
دي مجرد طباخة.
ابتسمت ياسمين ابتسامة خبيثة.
كل المشاكل الكبيرة… بتبدأ بواحدة الناس فاكرينها مجرد حاجة صغيرة.
بعد يومين…
وصلت للقصر شحنة نبيذ مستوردة.
كان عمر عامل عشاء مهم مع رجال أعمال وشخصيات كبيرة.
وقبل بداية العشاء بدقائق…
دخلت ندى المطبخ، وفجأة وقفت مكانها.
ريحة غريبة.
مش جاية من الأكل…
جاية من زجاجة النبيذ.
فتحتها بحذر، قربتها من مناخيرها، واتغير لون وشها.
همست للطاهي المساعد
حد لمس الزجاجة دي؟
هز كتفه.
لسه جاية من المخزن.
مدت إصبعها ولمست نقطة صغيرة من السائل، ثم قربتها من طرف لسانها بسرعة خاطفة، وبصقت فورًا في الحوض.
قلبها بدأ يدق بعنف.
دي ما كانتش مجرد ريحة غريبة…
دي كانت مادة مخدرة قوية، كفاية إنها توقع أي حد يشربها خلال دقائق.
وفي نفس اللحظة…
سمعت خطوات عمر وهو داخل قاعة السفرة، والضيوف كلهم بدأوا يقعدوا.
ولو اتقدمت الزجاجة دي…
هيكون أول واحد يشرب منها هو عمر.
من غير ما تفكر…
خدت الزجاجة وجريت ناحية القاعة.
لكن قبل ما توصل…
اعترضت ياسمين طريقها.
بصت للزجاجة، ثم لندى، وقالت بابتسامة باردة
رايحة فين؟
قالت ندى بسرعة وهي بتحاول تعدي
لازم أشوف الأستاذ عمر حالًا.
وقفت ياسمين قدامها وسدّت الطريق بالكامل.
والسبب؟
نظرت ندى حواليها، وخافت تقول الحقيقة قدام العاملين.
فاكتفت بكلمة واحدة
حياته في خطر.
سكت المكان كله.
لكن بدل ما ياسمين تقلق…
ابتسمت.
ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروق ندى.
وقالت بهدوء
أنا عارفة.
في اللحظة دي…
اتسعت عينا ندى بصدمة.
أما ياسمين، فانحنت وهمست في أذنها
لأن الزجاجة دي… أنا اللي حطيت فيها المخدر.
ثم صفقت بيديها فجأة وهي تصرخ بأعلى صوتها
الحقونا! الخدامة كانت بتحاول تسمم عمر بيه!
وفي أقل من عشر ثوانٍ…
اندفع الحراس نحو ندى، وانتزعوا الزجاجة من يدها، بينما كان عمر يلتفت ببطء نحو مصدر الصراخ…
وعندما وقعت عيناه على ندى وهي تصرخ
متشربش منها!
أمر الحراس بإشهار السلاح عليها قبل أن يسمح لها بنطق كلمة واحدة…تجمدت القاعة.
الكؤوس الفضية كانت ما تزال في أماكنها، والضيوف ينظرون في صدمة إلى ندى وهي محاطة بأربعة حراس، بينما ياسمين تقف خلفهم وتضع يدها على صدرها كأنها نجت لتوها من كارثة.
صرخت ياسمين وهي تشير إلى ندى
فتشوا مريلتها… أكيد معاها حاجة تانية.
تقدم أحد الحراس، وقبل أن تتمكن ندى
لمحة نيوز





