خطيبته بقلم ميرا احمد

على المسدس الذي بين يديها.
صرخ فيها
ارمي السلاح!
لكنها لم تتحرك.
صرخ مرة ثانية
ندى!
هزت رأسها بعنف وهي تشير بعينيها خلفها.
وراك!
في اللحظة نفسها…
اندفع سامي نحوها رافعًا الخنجر.
دوى صوت رصاصتين.
الأولى أطلقها عمر.
والثانية خرجت من سلاح أحد رجال سامي.
سقط سامي على الأرض وهو يصرخ، بينما اخترقت الرصاصة الثانية كتف ندى.
تراجعت للخلف حتى اصطدمت بالحائط، وسقط المسدس من يدها.
شعر عمر أن الزمن توقف.
ركض نحوها غير عابئ بالرصاص الذي ما زال يتطاير خارج المخزن.
جثا على ركبتيه بجوارها.
ضغط بيده على الجرح وهو يقول لأول مرة بصوت فقد بروده المعتاد
بصيلي… متغمضيش عينيكي.
ابتسمت ندى رغم الألم.
كنت… عارفة إنك هتيجي.
نظر إليها بدهشة.
بعد اللي حصل… لسه واثقة فيا؟
همست وهي تلتقط أنفاسها
أنا… عمري ما خفت منك.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم دوى انفجار هائل خارج المخزن.
اهتزت الجدران، وتساقطت قطع من السقف.
صرخ سليم من الخارج
يا ريس! المخزن كله متفخخ… لازم نطلع حالًا!
حاول عمر أن يحمل ندى.
لكنها أمسكت بذراعه فجأة.
آدم…
قال بسرعة
آدم بخير… كلمني بنفسه.
تجمدت ملامحها.
هو… عايش؟
أيوه… ومستنيكي.
أغمضت عينيها للحظة، وكأن حملًا ثقيلًا سقط عن قلبها.
لكن قبل أن يتحركا نحو الباب…
ارتفع صوت ضحكة خافتة من آخر المخزن.
التفت الجميع.
كان سامي…
ما زال حيًا.
ينزف بشدة، لكنه يبتسم.
وفي يده جهاز صغير أحمر.
قال وهو يلهث
الانفجار اللي برا… كان مجرد البداية.
رفع إصبعه فوق الزر.
المخزن ده هيبقى قبركم كلكم.
ثم ضغط الزر…صدر صوت بيب… قصير.
ثم…
لم يحدث شيء.
اختفت ابتسامة سامي.
ضغط الزر مرة ثانية بعصبية.
بيب…
ولا شيء.
رفع عمر حاجبه في هدوء.
وقال
بتدور على دي؟
وأخرج من جيبه قطعة إلكترونية صغيرة.
كانت شريحة التفجير.
اتسعت عينا سامي.
صرخ
إزاي؟!
رد سليم وهو يدخل من الباب الخلفي
الراجل اللي كنت فاكره حارسك… كان شغال معانا من شهر.
شحب وجه سامي.
في تلك اللحظة فقط…
فهم معنى الورقة التي وصلت إلى ندى داخل الزنزانة.
اثبتي… عمر عرف.
لم يكن عمر قد عرف الحقيقة فقط…
بل بدأ يخطط منذ ساعات.
اندفع رجال عمر وسيطروا على المكان.
قيدوا سامي بالأغلال.
وقبل أن يسحبوه للخارج…
ضحك بصوت مرتفع.
قال وهو ينظر مباشرة إلى عمر
أنت كسبت معركة… لكن خسرت الحرب.
اقترب منه عمر.
تقصد إيه؟
ابتسم سامي رغم الدم الذي يملأ فمه.
اسأل خطيبتك.
ساد الصمت.
أكمل وهو يضحك
ياسمين عمرها ما كانت بتحبك… كانت بتحب اسم المنشاوي.
شعر عمر وكأن أحدهم ضربه في صدره.
لكن سامي لم ينتهِ.
قال بصوت متقطع
هي اللي سلمتنا مواعيدك… وهي اللي حطت المخدر… وهي اللي طلبت نخطف ندى… لأنها الوحيدة اللي كانت قريبة منك بما يكفي تبوظ خطتها.
التفت عمر ببطء نحو سليم.
لم يتكلم.
لكن سليم فهم الأمر فورًا.
أخرج جهاز اللاسلكي وقال
كل الوحدات… محدش يسيب الآنسة ياسمين تخرج من القصر.
في القصر…
كانت ياسمين تضع جواز سفرها داخل حقيبة صغيرة.
أغلقت الخزنة.
ثم نزعت خاتم الخطوبة وألقته فوق السرير.
ابتسمت وهي تهمس
وداعًا يا عمر.
لكن قبل أن تصل إلى باب الفيلا…
سمعت صوت إغلاق الأبواب الإلكترونية.
ثم انطفأت الأنوار لثانية.
واشتعلت مرة أخرى.
وجاءها صوت عمر عبر سماعات القصر كلها، هادئًا بشكل مرعب
رايحة فين يا ياسمين؟
توقفت في مكانها.
بدأت أنفاسها تتسارع.
ثم أكمل صوته
أنا في الطريق… ومش لوحدي.
وفي تلك اللحظة…
دخلت عشرات السيارات إلى ساحة القصر، بينما كانت ياسمين تنظر من النافذة، وقد أدركت لأول مرة…
أن اللعبة التي ظلت تديرها من خلف الستار خمس سنوات كاملة…
انقلبت عليها تراجعت ياسمين خطوة إلى الخلف.
ثم خطوة أخرى.
كانت تنظر من النافذة إلى السيارات السوداء التي ملأت ساحة القصر.
لم تعد تبتسم.
لأول مرة منذ سنوات…
شعرت بالخوف.
أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بأحد الأرقام.
رد… رد!
لكن الخط كان مغلقًا.
الرجل الذي كانت تعتمد عليه في كل شيء…
سامي…
أصبح في قبضة عمر.
توقفت سيارة عمر أمام مدخل القصر.
نزل منها وهو يحمل ندى بين ذراعيه.
رغم إصابتها، أصرت أن تبقى مستيقظة.
همست بصوت متعب
سيبني… الجرح مش خطير.
نظر إليها دون أن يلتفت.
اسكتي.
كانت تلك أول مرة يأمرها بالصمت…
لكن نبرته لم تكن قاسية.
بل كانت مليئة بقلق لم يره أحد في عمر المنشاوي من قبل.
وقف العاملون في صفين وهم ينظرون بذهول.
الطاهية التي كانت تدخل كل صباح بصمت…
دخلت الآن بين ذراعي سيد القصر نفسه.
في الطابق العلوي…
أغلقت ياسمين باب جناحها بالمفتاح.
ثم فتحت درجًا سريًا خلف المرآة.
أخرجت منه فلاشة سوداء صغيرة.
نظرت إليها وقالت
طالما دي معايا… عمر مستحيل يقدر يسلمني.
وضعتها داخل جيبها.
لكنها عندما استدارت…
شهقت.
كانت أم رتيبة تقف داخل الغرفة.
لا أحد يعرف كيف دخلت.
قالت العجوز وهي تنظر إليها بحزن
خلاص يا بنتي… كفاية.
صرخت ياسمين
إنتِ!
اقتربت أم رتيبة خطوة.
سمعت كل حاجة يوم ما كلمتي سامي.
تغير لون وجه ياسمين.
يبقى لازم تموتي.
التقطت مزهرية كريستال ضخمة واندفعت نحو العجوز.
لكن قبل أن تصل إليها…
انفتح الباب بقوة.
دخل عمر.
وراءه سليم وأربعة رجال.
توقفت ياسمين في مكانها.
ابتسم عمر ابتسامة باردة.
وقال
واضح إننا وصلنا في الوقت المناسب.
ألقت ياسمين المزهرية على الأرض فانكسرت إلى مئات القطع.
ثم قالت بثقة مصطنعة
هتصدق خدامة عجوز… ومش هتصدق خطيبتك؟
لم يجبها.
بل مد يده نحوها.
الفلاشة.
ارتبكت للحظة.
ثم تمالكت نفسها.
معنديش أي فلاشة.
ابتسم سليم.
وأخرج جهازًا صغيرًا.
قال
إشارة التتبع جاية من جيب الجاكيت الشمال.
تجمدت ياسمين.
لم تكن تعلم…
أن سامي نفسه هو من وضع جهاز التتبع على الفلاشة، خوفًا من أن تخونه يومًا.
اقترب أحد الرجال منها.
لكنها فجأة أخرجت الفلاشة، وركضت نحو المدفأة المشتعلة.
صرخت
لو مش هتبقى ليا… يبقى ولا حد هيعرف الحقيقة!
ومدت يدها لتلقي الفلاشة وسط النيران…
وفي اللحظة نفسها، قفزت ندى، رغم إصابتها، من على المقعد الذي كانت تجلس عليه، محاولةً منعها قبل أن تختفي كل الأدلة داخل اللهب…قفزت ندى بكل ما تبقى لديها من قوة.
اشتعل الألم في كتفها المصاب، لكنها لم تتوقف.
اصطدمت بياسمين قبل أن تصل يدها إلى اللهب.
سقطت الفلاشة على حافة المدفأة، وتدحرجت فوق الرخام.
في اللحظة نفسها…
انقض سليم عليها، والتقطها قبل أن تمسها النار بثانية واحدة.
تنفس عمر ببطء.
ثم قال دون أن يرفع صوته
انتهى.
لكن ياسمين انفجرت في الضحك.
ضحكة طويلة، جعلت الجميع ينظر إليها باستغراب.
قالت وهي تمسح دمًا نزل من شفتها
فاكر إن الفلاشة دي هتوقعني؟
أشار عمر لسليم.
وصل الفلاشة بجهاز الكمبيوتر المحمول الموجود في المكتب.
ظهرت عشرات الملفات.
صور…
تسجيلات…
وحسابات بنكية.
لكن الملف الأخير كان بعنوان
الحقيقة الكاملة.
ضغط سليم عليه.
ظهر مقطع فيديو مسجل داخل مكتب ياسمين.
كانت تتحدث مع سامي بوضوح
أول خطوة… نبعد ندى عن القصر. عمر بقى بيسمع كلامها أكتر من اللازم.
رد سامي في التسجيل
ولو رفضت؟
ابتسمت ياسمين داخل الفيديو وقالت
لفقوا لها تهمة… وعمر بنفسه هيسلمها لينا.
ساد الصمت في الغرفة.
أما ندى…
فأغمضت عينيها للحظة.
ليس لأنها انتصرت…
بل لأنها أخيرًا عرفت أن كل ما حدث لم يكن بسبب خطأ ارتكبته.
رفع عمر عينيه إلى ياسمين.
كانت نظراته باردة بصورة لم يرها أحد من قبل.
قال بهدوء
خمس سنين… كنتِ بتلعبي اللعبة دي وأنا ساكت.
صرخت ياسمين
لأنك كنت أعمى! عمرك ما شفت غير شغلك!
اقترب منها خطوة.
لا…
ثم نظر إلى ندى.
…أنا اللي كنت أعمى عن الناس اللي كانت بتحميني.
ساد الصمت.
لكن فجأة…
دخل أحد رجال عمر مسرعًا، وملامحه شاحبة.
قال وهو يلهث
يا ريس… في مشكلة!
التفت إليه عمر.
إيه؟
ابتلع الرجل ريقه وقال
الولد… آدم…
شحب وجه ندى في لحظة.
ماله آدم؟!
أجاب الرجل بصوت مرتجف
اختفى من البيت من عشر دقايق… والحاجة أمينة لقت على سريره ورقة واحدة.
مد الورقة إلى عمر.
فتحها ببطء.
ولمّا قرأ ما فيها…
تغير لون وجهه لأول مرة.
رفع عينيه إلى ندى وقال بصوت خافت
سامي… ماكانش بيشتغل لوحده.
أخذت ندى الورقة من يده بيد مرتجفة.
وكان مكتوبًا عليها بخط واحد فقط
لو عايزين تشوفوا آدم حي… تعالوا للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.
وتحت الجملة…
كان مرسومًا رمز الحية الفضية نفسه الذي ظهر على سيارة الخاطفين تجمدت ندى وهي تحدق في الورقة.
ارتجفت

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *