خطيبته بقلم ميرا احمد

شفتاها.
لأ… آدم مستحيل يخرج لوحده.
اقتربت الحاجة أمينة وهي تبكي.
قالت بصوت متقطع
كنت في المطبخ بدقيقتين… رجعت ملقتوش. بس لقيت الشباك مفتوح.
قبض عمر على الورقة بقوة حتى كادت تتمزق.
ثم التفت إلى سليم.
اقفلوا كل مخارج الإسكندرية.
رد سليم بسرعة
اتنفذ.
لكن عمر هز رأسه.
لأ… اللي عمل كده عايزنا ندور. يعني هو مخطط لكل خطوة.
في تلك اللحظة…
داخل مخزن قديم مهجور على أطراف الميناء.
كان آدم مقيدًا إلى كرسي خشبي.
ورغم الخوف…
لم يبكِ.
تذكر آخر وصية قالتها له ندى عندما علمته كيف يتصرف إذا ضاع منها يومًا.
الخوف طبيعي… بس متخليش الخوف يخليك تنسى تفكر.
رفع رأسه ببطء.
كان الرجل الجالس أمامه يرتدي بدلة سوداء، ويخفي وجهه بقناع.
قال بصوت هادئ
إنت شجاع.
أجاب آدم بغضب طفولي
أختي هتيجي.
ضحك الرجل.
وأنا مستنيها.
في القصر…
كانت ياسمين تجلس مكبلة اليدين.
وفجأة…
ابتسمت.
لاحظ عمر ابتسامتها.
اقترب منها.
بتضحكي على إيه؟
رفعت رأسها وقالت بثقة
لأنك لحد دلوقتي فاكر إن سامي هو العقل المدبر.
ضاقت عينا عمر.
يعني إيه؟
ابتسمت أكثر.
سامي كان بينفذ أوامر… زيه زيي.
ساد صمت ثقيل.
ثم همست
في حد… حتى أنا بخاف منه.
نظر إليها عمر للحظات.
ولأول مرة…
شعر أن القضية أكبر بكثير مما تصور.
فتح سليم الملف الأخير الموجود على الفلاشة.
كان ملفًا مشفرًا.
احتاج دقائق حتى تمكن من فتحه.
ظهرت صورة قديمة التقطتها كاميرا مراقبة قبل خمس سنوات.
تجمد عمر مكانه.
الصورة كانت من مطبخ القصر.
وتُظهر ندى وهي تدخل المطبخ في أول يوم عمل لها…
لكنها لم تكن وحدها.
كان بجوارها رجل مسن يضع يده على كتفها.
كبر سليم الصورة.
ثم قال بصدمة
ده…
لم يكمل الجملة.
أما عمر…
فقد عرف الوجه فورًا.
كان الرجل هو…
والده.
الرجل الذي أعلن الجميع أنه مات قبل خمسة عشر عامًا.
لكن الصورة كانت بتاريخ…
قبل خمس سنوات فقط.
اتسعت عينا ندى هي الأخرى.
همست
أنا… عمري ما شفته قبل كده.
رفع عمر الصورة مرة أخرى.
ثم قال بصوت منخفض
يبقى في حد… زور التاريخ كله.
وفي نفس اللحظة…
رن هاتف عمر.
رقم مجهول.
فتح الخط.
جاءه صوت مشوش إلكترونيًا
لو عايز تشوف آدم… تعال وحدك.
ثم أضاف قبل أن يغلق الخط
ولو جبت معاك الشرطة… الطفل هيدفع الثمن.
انتهت المكالمة.
نظر عمر إلى ندى.
ثم إلى الورقة.
وأدرك أن الخطوة القادمة…
قد تكون أخطر خطوة في حياته ظل عمر ممسكًا بالهاتف لثوانٍ بعد انتهاء المكالمة.
ثم أغلق عينيه.
قال سليم بحزم
ممنوع تروح لوحدك… ده انتحار.
لكن عمر لم يرد.
كان ينظر إلى ندى.
كانت تحاول الوقوف رغم كتفها المصاب.
قالت بصوت مبحوح
أنا هاجي معاك.
اعترض سليم فورًا
مستحيل.
ابتسمت ندى ابتسامة متعبة.
هو خاطف آدم عشاني… ولو أنا مروحتش، ممكن يقتله.
ساد الصمت.
ثم قال عمر
هتيجي… بس هتفضلي جنبي.
بعد نصف ساعة…
وصلت سيارة واحدة فقط إلى المكان المكتوب في الرسالة.
كان مصنعًا قديمًا لتعليب الأسماك، أغلق أبوابه منذ سنوات، وأصبح مهجورًا.
توقفت السيارة أمام البوابة الصدئة.
نزل عمر أولًا.
ثم ساعد ندى على النزول.
كان المكان هادئًا بشكل مخيف.
لا صوت…
إلا صوت البحر.
وفجأة…
اشتعلت الأضواء داخل المصنع كلها مرة واحدة.
ودوى صوت عبر مكبرات قديمة
أهلًا… يا عمر المنشاوي.
رفع عمر سلاحه.
وريني آدم.
جاءه الصوت ضاحكًا
بكل هدوء… هتشوفه.
انفتح باب حديدي ببطء.
وفي آخر الممر…
كان آدم.
مقيدًا…
لكنه حي.
ما إن رأى ندى حتى صرخ بأعلى صوته
ندى!
انهارت دموعها لأول مرة.
آدم!
حاولت الجري نحوه.
لكن عمر أمسك بذراعها.
في اللحظة نفسها…
سقط لوح حديد ضخم من السقف، وأغلق الممر بينهما.
لو كانت ركضت…
لسحقها.
فهم عمر أن كل خطوة في المكان محسوبة.
دوى الصوت مرة أخرى
أحسنت… أول اختبار وعدى.
قطب عمر حاجبيه.
إيه اللي أنت عايزه؟
رد الصوت بهدوء
الحقيقة.
أي حقيقة؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم انفتح باب مرتفع في الطابق الثاني.
خرج منه رجل يرتدي بدلة رمادية، وشعره يغطيه الشيب.
خلع القفازات الجلدية ببطء.
ثم رفع وجهه.
اتسعت عينا عمر.
همس بعدم تصديق
العم… فؤاد؟
كان فؤاد الذراع اليمنى لوالد عمر.
والرجل الذي أعلن الجميع أنه مات معه في الانفجار قبل خمسة عشر عامًا.
ابتسم فؤاد ابتسامة هادئة.
وقال
واضح إنك لسه فاكرني.
رفع عمر سلاحه نحوه.
أنت اللي خطفت الولد؟
هز فؤاد رأسه بالنفي.
أنا أنقذته.
صرخت ندى
مقيده وتسمي ده إنقاذ؟!
نظر إليها لأول مرة.
وقال
لأن في ناس كانت هتقتله قبل ما أوصل.
نظر عمر إليه بغضب.
كفاية ألغاز.
تنهد فؤاد.
ثم أخرج ملفًا بنيًا قديمًا.
ورماه من أعلى.
سقط الملف أمام قدمي عمر.
قال فؤاد
افتحه.
انحنى عمر والتقطه.
فتح الصفحة الأولى…
فتجمد مكانه.
كانت شهادة ميلاد قديمة…
وبجوار اسم الأم…
ظهر اسم لم يكن يتوقعه أبدًا.
أما ندى، فلم تستطع رؤية الورقة من مكانها.
كل ما رأته…
هو أن وجه عمر تغير تمامًا، وأن يده بدأت ترتجف وهو يحدق في المستند، وكأنه اكتشف سرًا سيقلب حياة الجميع رأسًا على عقب كانت يدا عمر ترتجفان وهو ينظر إلى شهادة الميلاد.
ثم أغلق الملف ببطء.
رفع عينيه إلى فؤاد وقال
مش دلوقتي… الأول هرجع آدم.
ابتسم فؤاد لأول مرة.
وكأنه كان ينتظر هذه الإجابة.
صفق بيديه مرة واحدة.
فُتح باب جانبي داخل المصنع.
وخرج آدم يركض بكل قوته.
ندى!
صرخت ندى باسمه، واحتضنته بقوة حتى انفجر الاثنان في البكاء.
ظل عمر ينظر إليهما بصمت.
لأول مرة منذ سنوات…
شعر أن هناك شيئًا أهم من المال والنفوذ والانتقام.
اقترب فؤاد من عمر، ومد إليه مسدسه بالمقبض أولًا.
وقال
خلص دوري.
سأله عمر
مين كان بيدير كل ده؟
ابتسم فؤاد بحزن.
أبوك.
تجمد عمر.
أكمل فؤاد
أبوك مزورش موته… لكنه عرف إن إمبراطوريته بقت مليانة خونة، فاختفى، وسابني أراقب كل واحد. سامي وياسمين كانوا فاكرين إنهم بيلعبوا لوحدهم… لكن كانوا تحت المراقبة من البداية.
والملف؟
فتح فؤاد الصفحة الأخيرة.
كانت وصية بخط والد عمر.
لو ابني وصل للملف ده، يبقى عرف يفرق بين المخلص والخائن… وساعتها يبقى أقوى مني.
أغلق عمر الملف، ولم ينطق.
بعد أيام…
اعترفت ياسمين بكل شيء أمام النيابة، واعترف سامي بجميع الجرائم مقابل تخفيف الحكم.
وانتهت إمبراطورية التهريب التي سيطرت على الميناء لسنوات.
أما عمر…
فأغلق كل الأعمال غير القانونية، وحول شركاته إلى أعمال مشروعة، وبدأ يعوض كل من تضرر بسبب نفوذه.
وفي صباح هادئ بعد أشهر…
كانت ندى تقف في مطبخ القصر، تُعد كوبًا من القهوة.
دخل عمر بهدوء.
ابتسم وقال
لسه بتعمليها سادة؟
ضحكت لأول مرة من قلبها.
ما هو ده اللي بتحبه.
ناولها صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحته ببطء.
وجدت بداخله العلبة المعدنية القديمة التي كان آدم يجمع فيها نقوده.
لكنها لم تعد مليئة بالعملات…
بل كانت تحتوي على مفتاح شقة جديدة، وعقد ملكيتها باسم ندى، ومنحة دراسية كاملة لآدم.
قال عمر
زمان آدم كان بيجمع فلوس عشان يعملك مفاجأة. .. المرة دي، دي مفاجأتي أنا.
لم تستطع ندى أن تتكلم.
اكتفت بالنظر إلى آدم، الذي كان يقف خلف عمر وهو يبتسم بفخر.
ثم قال الطفل وهو يضحك
قلتلك إن أختي هترجع.
ابتسم عمر، ونظر إلى ندى قائلًا
وأنا وعد مني… محدش هيقدر يفرقكم تاني.
النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *