خطيبته بقلم ميرا احمد

من الاعتراض، أخرج من جيب مريلتها زجاجة صغيرة شفافة.
حدق الجميع فيها.
أما ندى، فاتسعت عيناها.
لم ترَ تلك الزجاجة في حياتها.
همست بذهول
دي… مش بتاعتي.
ابتسمت ياسمين في هدوء، وقالت وهي تهز رأسها بأسف
للأسف… كل المجرمين بيقولوا نفس الجملة.
نظر عمر إلى الزجاجة، ثم إلى ندى.
وجهها كان شاحبًا، لكنها لم تحاول الهرب.
ولم تطلب الرحمة.
كل ما قالته كان
لو حضرتك فاكر إني ممكن أؤذيك بعد خمس سنين بخدمتك… يبقى أي كلام هقوله دلوقتي ملوش قيمة.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال عمر ببرود
خدوها.
تجمد قلب ندى.
الحارسان أمسكا بذراعيها، وسحباها خارج القاعة.
وأثناء مرورها بجوار عمر…
توقفت لثانية.
رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت بالكاد يُسمع
أنا آسفة… إني معرفتش أحميك.
ثم أكملت طريقها دون مقاومة.
الكلمة دي…
أزعجته أكثر من اتهامها نفسه.
بعد انتهاء العشاء، دخل عمر مكتبه.
فتح درجًا قديمًا وأخرج مسدسًا أسود، ثم ظل يقلبه بين يديه في شرود.
دخل مساعده الأيمن، سليم.
قال بحذر
هنبدأ التحقيق؟
رد عمر دون أن يرفع رأسه
إيه رأيك فيها؟
تردد سليم.
لو هتسألني… فهي من أكتر الناس اللي اشتغلوا هنا بأمانة.
رفع عمر عينيه أخيرًا.
وأنت شايف إنها حاولت تقتلني؟
سكت سليم ثواني.
ثم قال
أنا شايف إن في حاجة مش راكبة.
قطب عمر حاجبيه.
زي إيه؟
تنهد سليم.
لو كانت ناوية تسممك… كانت سابت الزجاجة تتفتح قدام الضيوف وساعتها محدش هيشك فيها.
ساد الصمت.
لأول مرة…
بدأ الشك يتسلل إلى قلب عمر.
في نفس الوقت…
داخل المخزن القديم بالميناء…
كانت ندى مقيدة إلى كرسي حديدي.
دخل رجل ضخم يحمل وعاء ماء.
ألقاه على وجهها بعنف.
فتحت عينيها بصعوبة.
قال الرجل
الريس عايز يعرف مين شغلك.
رفعت رأسها بتعب.
محدش.
ضربها على كتفها بعصا غليظة.
بتكدبي.
صرخت من الألم، لكنها لم تتكلم.
خرج الرجل غاضبًا.
وبمجرد أن أُغلق الباب…
تحرك ظل خلف النافذة الصغيرة المكسورة.
كان شخص يراقب كل ما يحدث.
وبعد ثوانٍ…
اختفى الظل في الظلام.
لم تكن ندى تعلم…
أن هذا الشخص لم يكن أحد رجال عمر.
ولم يكن من رجال الشرطة.
بل كان طفلًا صغيرًا يحمل حقيبة مدرسية زرقاء، وقف يختبئ بين الحاويات منذ دقائق، بعدما تتبع السيارة التي خطفت شقيقته.
كان آدم.
وكان في يده الهاتف القديم الذي كانت ندى قد اشترته له من سوق المستعمل.
أصابعُه كانت ترتجف وهو يهمس
استحملي يا ندى…
ثم ضغط زر الاتصال الوحيد المحفوظ في الهاتف…
لكن الشخص الذي رن هاتفه في تلك اللحظة…
لم يكن الحاجة أمينة.
ولم يكن الشرطة.
بل كان هاتف عمر المنشاوي نفسه… الذي كان ينظر إلى الشاشة الآن باستغراب، بعدما ظهر أمامه اسم لم يره من قبل
آدم… أخو ندى نظر عمر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ.
الاسم كان بسيطًا
آدم… أخو ندى.
تردد قبل أن يرد.
ثم ضغط زر الإجابة.
جاءه صوت صغير يرتجف من البكاء
حضرتك… الأستاذ عمر؟
عقد عمر حاجبيه.
مين معايا؟
أنا آدم… أخو ندى.
ساد الصمت.
ثم قال الطفل بسرعة، كأنه يخاف أن ينقطع الخط
أختي مش وحشة… والله هي مش وحشة… هي قالتلي إن حضرتك راجل عادل… وإنك عمرك ما تظلم حد.
تجمد عمر.
ندى…
كانت تتحدث عنه في بيتها؟
أكمل آدم بصوت متقطع
هي اختفت من ست أيام… وأنا دورت عليها في كل مكان… ولقيت عربية سودا خدتها من قدام القصر.
وقف عمر فجأة من مكانه.
إنت شفت العربية؟
أيوه… كان عليها علامة فضية… زي الحية.
اتسعت عينا سليم، الذي كان يقف بجوار المكتب.
همس
دي علامة جماعة الشاطبي… مش من رجالنا.
لكن عمر ظل صامتًا.
لأن السيارة التي خطفت ندى…
كانت قد خرجت من قصره نفسه.
في اللحظة نفسها…
دخلت ياسمين جناحها وهي تبتسم.
أغلقت الباب، ثم أخرجت هاتفًا آخر لم يكن أحد يعرف بوجوده.
اتصلت برقم محفوظ باسم واحد فقط…
سامي.
جاءها صوت خشن
خلصنا منها؟
قالت بثقة
عمر صدق كل حاجة.
ضحك الرجل.
وأول ما يوقع عقد الميناء… نخلص عليه هو كمان.
ابتسمت ياسمين وهي تنظر إلى خاتم الخطوبة في إصبعها.
بعدها… كل ثروته هتبقى ليا.
لكنها لم تكن تعلم…
أن باب جناحها لم يكن مغلقًا بالكامل.
كان هناك فراغ صغير.
وخلفه…
وقفت الخادمة العجوز أم رتيبة، التي جاءت لتضع الملابس المغسولة.
سمعت الجملة الأخيرة كاملة.
ارتجفت يدها، فسقطت منشفة على الأرض.
التفتت ياسمين بسرعة.
مين هناك؟
حبست أم رتيبة أنفاسها، وابتعدت بخطوات مرتجفة قبل أن تراها.
لكن ياسمين لم تقتنع.
فتحت الباب بعنف…
ولم تجد أحدًا.
في المخزن…
كانت ندى تكاد تفقد وعيها.
فتح الباب الحديدي مرة أخرى.
دخل رجل ملثم، يحمل حقيبة إسعافات صغيرة.
ظنت أنه جاء ليعذبها من جديد.
لكنها فوجئت به يقطع الحبل حول معصمها قليلًا حتى يخف الضغط.
ثم وضع قطعة شاش على الجرح.
همست بدهشة
إنت… مين؟
لم يجب.
بل قال بصوت منخفض جدًا
متتكلميش… الكاميرا شغالة.
ثم دس في يدها شيئًا صغيرًا، وأغلق أصابعها عليه.
بعد أن خرج…
فتحت كفها ببطء.
كان مفتاحًا صغيرًا جدًا…
ومعه ورقة مطوية كُتب عليها ثلاث كلمات فقط
اثبتي… عمر عرف.
شعرت ندى أن قلبها عاد ينبض بالأمل لأول مرة منذ أيام.
لكنها لم تكن تعرف…
أن عمر في تلك اللحظة كان قد أصدر أمرًا واحدًا هزَّ رجال الميناء جميعًا
اقفلوا كل المخازن… ومحدش يلمس ندى لحد ما أوصل بنفسي.
وفي الجهة الأخرى…
كان سامي قد تلقى الخبر أيضًا.
ابتسم ببرود، ثم سحب مسدسه من الدرج وقال لرجاله
يبقى نخلص عليها… قبل ما عمر يوصل تحركت ثلاث سيارات سوداء في وقت واحد.
واحدة يقودها عمر المنشاوي بنفسه.
واثنتان تابعتان لسامي، تتسابقان إلى المخزن من الطريق الخلفي.
لم يكن أي طرف يعلم…
أن الطرف الآخر في الطريق أيضًا.
داخل المخزن…
كانت ندى تضم المفتاح الصغير بين أصابعها بقوة.
انتظرت حتى ابتعد الحارس عن الباب.
ثم بدأت تحرك المفتاح ببطء داخل القيد الحديدي.
مرة…
مرتين…
ثلاث مرات…
ثم…
طَق!
انفتح القيد في يدها اليمنى.
كادت تبتسم.
لكن قبل أن تحرر يدها الثانية. ..
فُتح باب المخزن بعنف.
أسرعت فأعادت يدها إلى مكانها، وكأنها ما زالت مقيدة.
دخل سامي يتبعه ثلاثة رجال مسلحين.
خلع قفازه الجلدي، وجلس أمامها على كرسي مقلوب.
قال وهو ينظر إليها باستخفاف
إنتِ تعبانة أوي… صح؟
لم ترد.
أخرج من جيبه صورة صغيرة.
رفعها أمام وجهها.
تجمد الدم في عروقها.
كانت صورة آدم…
وهو خارج من مدرسته.
قال سامي بابتسامة باردة
أخوكي جميل.
صرخت ندى لأول مرة منذ اختطافها
إوعى تقرب منه!
ابتسم.
أخيرًا لقيت الحاجة اللي توجعك.
ثم أمسك الصورة ومزقها نصفين أمام عينيها.
لو عمر وصل هنا… أول رصاصة هتكون في آدم.
ارتجفت ندى بعنف، لكنها أخفت يدها المحررة خلف ظهرها حتى لا يلاحظ أحد.
في الخارج…
توقفت سيارة عمر على بعد مائتي متر من المخزن.
أوقفه سليم قائلًا
استنى.
ليه؟
أشار إلى الأرض.
كانت هناك أسلاك رفيعة تمتد بين الحاويات.
قال سليم بصوت منخفض
فخ متفجر.
نظر عمر حوله.
ثم لمح شيئًا غريبًا فوق سطح المخزن.
منظار قناص.
همس
كمين.
وفي اللحظة نفسها…
انطلقت أول رصاصة.
لكنها لم تكن موجهة إلى عمر…
بل إلى أحد رجال سامي الذي كان يقف عند الباب.
سقط الرجل فورًا.
ودوى إطلاق نار كثيف من كل الاتجاهات.
صرخ أحد رجال عمر
في حد تالت هنا!
لم يكن رجال عمر…
ولا رجال سامي.
كان هناك فريق مجهول يهاجم الجميع بلا تمييز.
داخل المخزن…
ارتبك الحراس مع أصوات الرصاص في الخارج.
ركض اثنان منهم نحو الباب.
أما سامي فاستدار وهو يسب بصوت عالٍ
مين اللي هجم علينا؟!
استغلت ندى اللحظة.
نزعت القيد تمامًا.
ثم أمسكت بالكرسي الحديدي بكل قوتها…
وضربت به سامي في ظهره.
سقط على ركبتيه وهو يصرخ.
خطفَت مسدسه من الأرض.
لكنها لم تعرف كيف تستخدمه.
ضغطت الزناد بعشوائية.
خرجت الرصاصة لتصيب القفل الحديدي للباب.
وانفتح الباب بقوة.
وفي نفس الثانية…
ظهر عمر على المدخل، وسلاحه موجه إلى الداخل.
التقت عيناه بعيني ندى.
رآها واقفة، ثيابها ممزقة، ووجهها مليء بالكدمات، لكنها ما زالت تحمل المسدس بيد مرتجفة.
وفي الخلف…
كان سامي ينهض ببطء، وقد أخفى خنجرًا طويلًا داخل كمّه، مستعدًا لطعن ندى من الخلف…
بينما عمر لم يره بعد اتسعت عينا ندى.
كانت ترى الخنجر يخرج ببطء من كم سامي.
أما عمر…
فكان كل تركيزه

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *