جب أنتقامي. مايا خالد

بعد خمس سنين، في مدينة ساحلية هادية في اليونان.
ليلى كانت قاعدة على الرصيف قدام مرسمها الصغير، بتراقب “ياسين” و”سارة” وهما بيلعبوا بالرمل قدام البحر. ملامحها بقت أهدى، الخوف اللي كان ساكن عيونها اختفى، وحلت محله قوة ست قدرت تبني حياتها من الصفر. كانت فاكرة إنها قطعت كل الخيوط اللي بتربطها بالماضي، وإن “بدر السيوفي” بقى مجرد كابوس قديم دفنته في رمال مصر.
في يوم، ليلى استلمت طرد مجهول قدام باب بيتها. فتحته بـ إيد بترتعش، لقت لوحة مرسومة بالزيت.. لوحة ليها وهي قاعدة في نفس مكانها قدام المرسم، وبنفس اللبس اللي كانت لابساه “إمبارح”!
قلبها وقع في رجليها. لفت حواليها زي المجنونة، البحر كان هادي والناس ماشية طبيعي، مفيش أي أثر ليه. بس هي عارفة الروح دي، عارفة الزوايا اللي بيترسم بيها الهوس.
رجعت البيت وقفلت الأبواب، وفي نص الليل، سمعت صوت خبط هادي جداً على الشباك. خبطة منتظمة.. تكة.. تكة.. تكة.
فتحت الستارة وهي ماسكة سكين المطبخ، وشافته.
كان واقف وسط الضلمة، شعره غزا فيه الشيب من الجناب، والندبة اللي في دراعه لسه باينة تحت قميصه الأبيض. بدر مكنش لابس البدلة الرسمية ولا ملامحه كانت متجمدة، كان باصص لها بنظرة “جيعانة” لرويتها، نظرة واحد عاش خمس سنين ميت ورجع للحياة.
ليلى فتحت الشباك وقالت بصوت مخنوق:
“أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنا صدقت إنك مت.. أو نسيت.”
بدر قرب خطوة، وصوته الرخيم اللي كان بيطاردها في أحلامها رجع يرن في ودنها:
“أنا عمري ما مشيت يا ليلى.. كنت هنا، في البيت اللي وراكي، في القهوة اللي بتشربي فيها، في المدرسة اللي الولاد بيروحوها. كنت الظل اللي بيحرسك وأنتي نايمة.”
ليلى صرخت فيه بوجع: “أنت مريض! أنت لسه عايز تسجنني؟”
بدر مد إيده ولمس طرف القفل بتاع الشباك ببرود وتملك:
“أنا جيت أسلمك نفسي يا ليلى. الفيلا في مصر اتحرقت.. كل أملاكي وزعتها على الولاد.. أنا دلوقتي معيش غير الروح اللي أنتي كنتي عايزة تزهقيها.”
طلع من جيبه “المفتاح النحاسي” القديم.. اللي هي رمته من شباك العربية زمان. حطه في إيدها وقفل صوابعها عليه بقوة:
”المفتاح ده مبيفتحش أوضة فوق يا ليلى.. المفتاح ده بيفتح القصر اللي أنا بنيته هنا، في آخر الشارع. لو عايزة تخلصي مني بجد، تعالي بكرة ومعاكي البوليس، سلميني ليهم بتهمة قتل هالة.. أنا معايا الأدلة اللي تديني. بس لو لسه فيه حتة في قلبك فاكرة ‘بدر’ اللي كان بيحبك قبل ما يتجنن.. تعالي لوحدك.”
تاني يوم الصبح، ليلى كانت واقفة قدام قصر مهيب على طرف الجبل، وفي إيدها المفتاح، وفي الإيد التانية تليفونها وهي بتطلب رقم الشرطة.
بدر كان واقف في التراس، لابس قميصه الأسود، وبيدخن سيجارته الأخيرة وهو باصص للبحر، مستني حكمها. يا السجن الحقيقي اللي هيقضي فيه باقي عمره، يا السجن اللي هو اختاره لنفسه.. “حضن ليلى”.
ليلى بصت للتليفون، وبصت للمفتاح، وفجأة.. داست على زرار “إنهاء المكالمة”.
طلعت السلم بخطوات ثابتة، وفتحت الباب الكبير. بدر سمع صوت التكة، غمض عينه وابتسم لأول مرة بصدق. الوحش أخيراً لقى السجانة اللي يقدر يسلمها مفاتيح قلبه وهو مطمن.
ليلى وقفت قدام بدر في التراس، الهوا كان بيطير شعرها، والسكوت اللي بينهم كان أتقل من سنين البعد. بدر لف وشه ليها، السيجارة لسه بين صوابعه، وعينه كانت بتفحص ملامحها كأنه بيحفظها لأول مرة.
”فتحتِ الباب ليه يا ليلى؟” سألها بصوت واطي ومبحوح، “كنتِ تقدري تنهي كل حاجة بكلمة واحدة للبوليس.”
ليلى قربت منه لحد ما بقت قدامه بالظبط، خدت السيجارة من إيده ورمتها في البحر، وبصت له بعيون مليانة وجع وقوة في نفس الوقت:
“فتحت الباب عشان أشوف الوحش وهو مكسور.. عشان أتأكد إنك فعلاً جيت هنا عشان تسلمني رقبتك، مش عشان تخطفني تاني.”
بدر مسك إيدها اللي ماسكة المفتاح، وحطها على قلبه اللي كان بيدق بعنف:
“رقبتي، وحياتي، وكل اللي فاضل مني تحت رجلك. أنا جربت أعيش من غيرك يا ليلى، ولقيت إن موتي وأنا جنبك أهون بكتير من حياتي وأنا بعيد.” مايا خالد
في اللحظة دي، صوت خطوات جزمة كعب عالي رن على رخام التراس. بدر اتصلب مكانه، وليلى لفت بلهفة.. كانت “فريدة”.
فريدة كانت واقفة وساندة على الباب، بتبص لهم بنظرة غامضة، وقالت ببرود:
“الحب اللي بيبدأ بالدم، عمره ما بينتهي بالسلام يا ولاد السيوفي.”
بدر زق ليلى ورا ضهره بتلقائية وحماية، وقال لفريدة بحدة:
“إنتي إيه اللي جابك هنا؟ الفلوس اللي بتاخديها كل شهر مكنتش كفاية؟”
فريدة ضحكت وهي بتقرب منهم، وطلعت من شنطتها ظرف أسود رمته على التربيزة:
“أنا مش عايزة فلوسك يا بدر.. أنا جيت أقول لليلى إن ‘هالة’ ممتتش بالحريقة زي ما الكل فاكر. هالة هي اللي ولعت في نفسها وفي الأوضة عشان تهرب منك، والولد اللي كان في بطنها.. لسه عايش.”
ليلى صرخت: “عايش إزاي؟ وفين؟”
فريدة بصت لبدر اللي كان وشه زي الأموات:
“عايش في ملجأ في مصر تحت اسم مستعار. أنا اللي خبته يا بدر، كنت عارفة إنك لو عرفت بوجوده، هتاخده وتعمل منه نسخة تانية منك.. وحش تاني مبيعرفش غير التملك.”
بدر وقع على الكرسي، مذهول، ولأول مرة الدموع عرفت طريق لعينه. ليلى بصت له، ولقت إن العقاب الحقيقي مش السجن.. العقاب هو إنه عاش خمس سنين بيحرق في نفسه وهو فاكر إنه قتل ابنه، بينما الحقيقة كانت بتستناه في مكان تاني.
ليلى بصت لفريدة وقالت بقوة: “هاتيلي ابن أختي يا فريدة.. ومن النهاردة، مفيش حد هيتحكم في مصير حد في العيلة دي تاني.”
بصت لبدر اللي كان منهار، وطت لمستواه وهمست في ودنه:
“هتساعدني نرجعه يا بدر.. وده هيكون تمن غفراني ليك. هتربيه، بس المرة دي هتربيه كبني آدم، مش كملك خاص. ولو شفت في عينه نظرة تملك واحدة من نظراتك.. أنا اللي هقتلك بإيدي.”
بدر مسك إيد ليلى وباسها بذلّ وعشق حقيقي، وقال: “أوعدك.. أوعدك يا ليلى.”
الشمس غابت على سواحل اليونان، وليلى كانت واقفة بتبص للأفق. هي عارفة إن الماضي مش هيسيبهم، وإن بدر السيوفي هيفضل جواه “العرين” اللي بيخوف، بس المرة دي، هي اللي معاها المفتاح.. وهي اللي قررت تروض الوحش بطريقتها الخاصة.
تمت مايا خالد
حب أنتقامي





