جب أنتقامي. مايا خالد

ليلى حست ببرودة الثلج في عروقها وهي شايفة الأوضة.. “أوضتها هي” بس في بيت “راجل غريب”. بدر كان واقف وراها، خياله ضارب على الحيطة زي وحش كاسر، وصوته كان واطي بس فيه نبرة تملك تخوف:
​”الأوضة دي كانت عزائي الوحيد يا ليلى.. كنت بدخل هنا، أغمض عيني وأتخيل إنك قاعدة بتقرئي كتابك المفضل، أو بتغني بصوتك اللي بيجنن.. كنتي ملكي في خيالي قبل ما تكوني ملكي في الحقيقة.”
​ليلى لفت ليه، وعيونها كانت بتطلع شرار من الخوف والغضب:
“أنت مريض يا بدر! أنت محتاج علاج.. اللي بتعمله ده مش حب، ده هوس.. وأختي؟ أختي ذنبها إيه في اللعبة القذرة دي؟”
​بدر ملامحه اتصلبت، وعروق إيده برزت وهو بيقفل الباب النحاسي بالمفتاح:
“أختك كانت الكوبري.. كانت الوسيلة الوحيدة عشان أكون قريب منك، عشان أدخل بيتكم وأسمع أخبارك.. هي اختارتني، وأنا وافقت عشانك إنتي!”
​ليلى بدأت تشك في كل حاجة.. موت أختها المفاجئ، الحادثة اللي حصلت في وقت غريب.. بدأت تربط الخيوط ببعضها. قررت إنها لازم تمثل الدور للاخر عشان توصل للحقيقة.
​تاني يوم، ليلى غيرت طريقتها. لبست فستان هادي، وقعدت على السفرة تستنى بدر يفطر. أول ما نزل وشافها، استغرب الهدوء اللي في عيونها.
​”قررتي تعقلي يا ليلى؟” سألها وهو بيقعد ببرود وبيفتح الجرنان.
​ردت بصوت ناعم ومخادع: “فكرت في كلامك.. العيال محتاجين استقرار، وأنا ماليش ملجأ غيرك.. بس محتاجة أحس إني في بيتي، مش في سجن. عايزة مفاتيح البيت كلها، وعايزة أدخل أوضة أختي ‘الله يرحمها’ ألم حاجتها اللي لسه موجودة.”
​بدر بصلها بنظرة فاحصة، كان بيحاول يقرأ اللي ورا عيونها، بس هز راسه بالموافقة:
“المفاتيح معاكي.. بس حذاري يا ليلى.. لو فكرتي تلعبي بديلك، مش هحرق الأوضة دي بس، هحرق الدنيا كلها فوق دماغك.”
​أول ما بدر خرج الشغل، ليلى جريت على أوضة أختها. كانت مقفولة وبقالها شهور محدش دخلها. بدأت تدور في كل حتة، تحت السرير، ورا الدولاب.. لحد ما لقت “خزنة” صغيرة مخفية ورا برواز صورة الفرح.
​جربت تواريخ كتير.. جربت تاريخ ميلاد أختها، منفعش.. جربت تاريخ جوازهم، منفعش.. وفجأة، فكرت في حاجة مجنونة. جربت “تاريخ ميلادها هي”.. والخزنة فتحت!
​جوه الخزنة، لقت مذكرات أختها.. فتحت أول صفحة، وشافت كلام مكتوب بخط إيد مرتعش:
“أنا عارفة إنه مش بيحبني.. أنا عارفة إنه بيحب ليلى. بدر بيراقبها في الضلمة، بيشم ريحتها في هدومي.. أنا خايفة يا ليلى، بدر مش طبيعي، هو بيخطط لحاجة كبيرة.. لو حصلي حاجة، اهربي يا ليلى، اهربي ومتبصيش وراكي.”
​وهي بتقرأ السطور دي، سمعت صوت “تكة” الباب وراها.
لفت ببطء، لقت بدر واقف، ساند بضهره على الباب، وفي إيده سيجارة طالعة منها دخان كثيف، وعينه كانت مرعبة وهادية زيادة عن اللزوم.
​”عرفتي الحقيقة بدري قوي يا ليلى.. كنت فاكر إنك أذكى من كده وهتستني شوية.”
​رمى السيجارة وداس عليها بجزمته وقرب منها وهو بيقلع الجاكيت:
“أختك كانت بتعرف كتير.. وده اللي خلاها تمشي بدري. ودلوقتي، مذكراتها بقت في إيدك.. تفتكري هسيبك تخرجي بالسر ده من هنا؟”
​ليلى حطت المذكرات ورا ضهرها وهي بتترعش: “أنت قتلتها يا بدر؟”
​بدر ضحك ضحكة عالية، ضحكة سوداء رنت في الأوضة:
“أنا مقتلتهاش.. هي اللي قتلت نفسها بفضولها. ودلوقتي.. أنتي قدامك اختيارين.. يا تعيشي هنا ملكة في عريني وتنسي كل اللي شوفتيه، يا تعيشي في الأوضة النحاس اللي فوق.. للأبد.”
​ليلى كانت حاسة إن الأرض بتلف بيها، المذكرات في إيدها زي الجمرة، ونظرات بدر بتقطع في روحها. قرب منها ببطء قاتل، وشه مفسرش أي ندم، بالعكس، كان فيه نشوة انتصار مرعبة.
​”قتلتها؟” ليلى سألتها تاني وصوتها يكاد يكون مسموع.
​بدر وقف قدامها بالظبط، لدرجة إن طرف جزمته لمس طرف شبشبها، وطى وهمس في ودنها:
“هي اللي اختارت تلعب مع النار يا ليلى.. لما عرفت إني بحبك، حاولت تبعدك عني، حاولت تجوزك لـ ‘سليم’ فاكرة؟ كانت عايزة تحرم عيني من رؤيتك.. وأنا مبسمحش لحد يقف بيني وبين اللي بملكه.”
​ليلى زقته بكل قوتها وهي بتصرخ: “أنت وحش! أنت شيطان! أنا مستحيل أعيش معاك لحظة واحدة تانية.. أنا هاخد الولاد وهخرج من هنا، والشرطة هي اللي هتصرف معاك.”
​بدر مسك إيدها ولواها ورا ضهرها بحركة سريعة واحترافية، وقرب وشه من وشها، وعيونه اسودت تماماً:
“الشرطة؟ تفتكري فيه حد يقدر يقف قدام بدر السيوفي؟ وبعدين.. تفتكري الولاد هيصدقوا مين؟ خالتهم اللي لسه داخلة البيت، ولا أبوهم اللي بيحميهم؟”
​رماها على السرير بقسوة، وخرج وقفل الباب بالمفتاح.. بس المرة دي، ليلى سمعت صوت “جنزير” بيتحرك بره. هو قرر يحول الجناح لسجن انفرادي.
​مرت ساعات الليل وليلى بتخطط. هي عارفة إن بدر “تقيل” وصبور، ومش هيتهور أكتر من كده طول ما هي تحت عينه. افتكرت إن فيه “ممر” صغير للملابس بيوصل لأوضة الأطفال.. ممر كان معمول عشان الأم تطمن على ولادها.
​بمنتهى الهدوء، ليلى بدأت تفك مسامير الضلفة الخشب بآلة حادة لقتها في علبة الميك أب. جسمها كان بيترعش، بس غريزة البقاء كانت أقوى. وصلت لأوضة الولاد، لقتهم نايمين زي الملائكة.
​شالت الصغير “ياسين” على إيدها، ومسكت إيد “سارة” الكبيرة، وهمست لها: “مطلعيش صوت يا حبيبتي.. هنلعب لعبة الهروب من الغول.”
​قدرت تنزل من سلم الخدم الخلفي، ووصلت للجنينة. الهوا البارد لمس وشها، وحست لأول مرة إنها ممكن تنجو. لقت بوابة الجنينة مفتوحة “مواربة”.. استغربت، بس مكنش فيه وقت للتفكير.
​أول ما خطت رجلها بره البوابة، كشافات عربية ضخمة نورت في وشها فجأة. ليلى غطت عينها بإيدها وهي بتترعش.
​الباب اتفتح.. ونزل منه بدر!
​كان ساند على العربية، وبيدخن سيجارته ببرود كأنه كان مستنيها تخرج. نفخ الدخان في الهوا وبصلها بابتسامة مستفزة:
​”كنت عارف إنك هتحاولي يا ليلى.. عشان كده سبتلك الباب مفتوح. أصل الهروب بيدي طعم أحلى للمطاردة.. مش كده؟”
​ليلى ضمت الولاد لحضنها وهي بتبكي: “سيبنا نمشي يا بدر.. أبوس إيدك سيبنا في حالنا.”
​بدر قرب منها، وشال “ياسين” من إيدها بمنتهى الهدوء والطفل لسه نايم، واداه لواحد من الحراس اللي ظهروا من الضلمة كأنهم شياطين.
​بص لليلى وقال بنبرة خالية من أي مشاعر:
“أنتي دلوقت عملتي أكبر غلطة في حياتك. كنت ناوي أسيبك في جناحك معززة مكرمة.. بس بما إنك بتحبي المغامرة، تعالي بقى للمكان اللي يليق بيكي.”
​سحبها من شعرها بخفة ووداها للمبنى المهجور اللي في آخر الجنينة.. “القبو”. فتح الباب، وزقها جوه.
​ليلى لقت نفسها في مكان ضلمة، ريحته بخور غريب.. ونور كشاف موبايله نور فجأة على الحيطة.
الصدمة خلت ليلى تفقد النطق..
​الحيطة كانت متغطية بـ “فستان فرح” أختها الراحلة.. بس الحقيقة المذهلة كانت في الصورة اللي متعلقة جنب الفستان.
​كانت صورة لليلى وهي لابسة الفستان ده! فوتوشوب؟ لا.. دي كانت صورة حقيقية مرسومة بإيد فنان مهووس، ومرسوم تحتها بدم أحمر: “العروس البديلة.. هي العروس الأصيلة.”
​بدر همس وراها وهو بيقفل باب القبو الحديدي:
“عارفة المفاجأة الكبيرة إيه يا ليلى؟ أختك ممتتش بحادثة.. أختك انتحرت لما عرفت إن العقد اللي بينا كان فيه بند بيقول إن في حالة وفاتها، إنتي الوحيدة اللي ليكي حق الوصاية على الولاد بشرط.. الجواز مني.”
​ليلى بصتله برعب: “أنت.. أنت اللي وصلتها للانتحار؟”
​بدر بصلها ببرود مرعب وقال: “أنا بس فرجتها على الأوضة النحاس.. ومتحملتش الحقيقة. ودلوقتي.. مفيش مذكرات، ومفيش هروب، ومفيش غيري أنا وأنتي والضلمة دي.. لحد ما تحبيني يا ليلى.. أو لحد ما تموتي زيها.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *