حماتي

شوية، وبتعدل شعرها، وبتضحك لنفسها في المراية. لما سمعت صوتي ارتبكت جدًا، ومسحت الروج بمنشفة بسرعة وقالت بصوت متوتر لا.. لا أصل.. لقيت الروج ده قديم في شنطة ماهر، وكنت عايزة أجربه بس.. ومش عارفة ليه حطيته.. وأنا أصلا مش بحب الحاجات دي. وساعتها صدقتها، أو يمكن كنت خداعه لنفسي عشان ما أوصل لنتيجة مؤلمة، وقلت لها لا عادي يا داليا، ما فيه حاجة غلط، واخدت كوباية المية وطلعت، لكن القلب كان مريقني، وحسست إن فيه حاجة مش مظبوطة أبدًا.
من ذلك اليوم بدأت ألاحظ كل حاجة بدقة. لقيتها بتاخد فلوس من درج مكتب حماتي بحجة إنها عايزة تشتري لعمر حاجات، وبتقول لحماتي إنها ما اخدتش حاجة. لقيتها بتكلم في الموبايل بصوت خافت ومخفي، وكل ما حد يقرب منها بتقفل الخط فورًا. لقيتها بتقول لجيراننا إنها كريم هو اللي بيقف جنبها أكتر من أي حد، وإنهم متفاهمين على كل حاجة، وإن البيت ده بيتهم الاتنين.
وكانت حماتي في كل الأحوال بتقف جنبها، وبتقول لي في كل مرة أشكك فيها أنت بتغيري منها يا بنتي؟ دي أرملة أخوك، ومحدش غيرنا يقف جنبها.. ما تكنش قاسية قلبك عليها، ربنا يسامحك. وكنت أكتفي بالصمت، لأنني ما كانش معايا دليل، وكنت عارفة إن كلامي مش هينفع، وكل اللي هيحصل إنها هتكرهني أكتر وتقول عليا بكره الخير.
لحد ما جات الرسالة دي قبل ساعتين من العشا، الرسالة اللي كانت مفروض تتبعت لحد تاني لشخص كانت بتتعامل معاه في بيع الشقة والفلوس وغلطت فتبعتتها لرقم كريم القديم اللي كان مسجل عندها باسمه، والرسالة وصلت ليه وهو في الشغل، ورد عليها بيسأل إيه ده يا داليا؟ إيه الفلوس دي وإيه الشقة اللي بتبيعيها؟، فهي خافت ومسحت الرسالة من عنده وقالت له إنها غلطانة وإنها كانت بتكلم واحدة من صاحباتها، لكن كريم كان مشغول ونسى الموضوع، لكن الرسالة كانت واصلة كمان على النسخة اللي في الموبايل بتاعي اللي كنت بستخدمه من وقت للتاني، وقرأتها كلها كلمة بكلمة.
عرفت إنها سرقت شيكات ماهر اللي كان محفوظة في خزانة حماتي، وبيعت محلات صغيرة كانت باسمه، واخدت كل الفلوس، وإنها بتخطط لجوازها من كريم عشان تقدر تبيع كل ممتلكات العائلة وتسافر بعيد، وكل ده وهي بتقول إنها وفية لزوجها وإنها مش عايزة غير راحة ابنها.
في اللحظة دي ما بكيتش ولا صرخت، لكنني عرفت إن الوقت قرب، وإن مسرحيتها هتخلص قريب، وإن الحقيقة هتظهر قدام الكل، وكل اللي كانوا بيشوفوا الملاك البريء هيعرفوا إنهم كانوا بيشوفوا شيطان متنكر.
ورجعت لقاعة الأكل، وجلست مكاني، وكل اللي كانوا موجودين كانوا بيتكلموا في الموضوع، وبعضهم كان بيقول إن الفكرة كويسة ومباركة، وبعضهم كان صامت ومش عارف يقول إيه، وحماتي كانت بتنتظر ردي، وكل شوية تنظر لي بعينين عابرتين كأنها بتقول لي إياكِ تعترضي، وإلا هشوفك العجب.
وداليا كانت مستنية أنا أثور، عشان تزيد دورها في الانكسار وتقول إنني بكرهها وإنني عايزة أطردها وابنها، وعشان كده كانت قاعدة تفرك يديها ببعض، ودموعها تنزل وتزيد، وكل شوية تنظر لكريم بنظرة ضعف وطلب رحمة.
لكنني فضلت صامته لحد ما كل واحد سكت، وكل العيون اتجهت لي، وحماتي قالت بصوت عالٍ مالك يا منى؟ ما تتكلمي؟ قولي لي رأيك، كلنا سامعين.
في اللحظة دي رفعت راسي، ونظرت لداليا بنظرة هادئة ومباشرة، وقلت بصوت واضح ومسموع للكل أنا رأيي إن الموضوع ده مش محتاج رأيي.. لأنه قبل ما نتفق على جواز، لازم نعرف كل الحقائق.. وإن عندي حاجة لازم أقولها قدام الكل، ولو عايزين نعرف الحقيقة كلها، نسمعني للآخر.
داليا شوشت لونها فجأة، وبدأت ترتعش، وقالت بصوت متقطع إيه الحاجات دي يا منى؟ إيه اللي بتقوليه؟ حرام عليكي ما تعملش فيا كده.. أنا ماليش ذنب في حاجة.
قلت لها بهدوء أنا مش بقول إنك عملتي حاجة، أنا بس عايزة نعرف كل حاجة.. حماتي قالت إنك وفية لزوجك، وإنك ما بتفكريش في غير راحة ابنك.. طيب ليه إذًا كنتي بتبيعي ممتلكات ماهر من ورانا؟ وليه كنتي بتجمعي الفلوس وتخبيها في مكان تاني؟ وليه كتبتي في رسالتك إنك عايزة تبيعي شقة أمي وتسافري بعيد بعد ما تتجوزي كريم؟.
لما سمعت كلامي وقعت عينها في الأرض، ووجهها فقد لونه بالكامل، وبدأت تتنفس بصعوبة، ونظرت حواليها كأن الأرض فتحت تحت رجليها ومش عارفة تهرب فين. حماتي قامت من مكانها بسرعة وقالت إيه الكلام الفاضي ده يا منى؟ إيه اللي بتقوليه على بنتي؟ هتجري عليكي أنا كمان؟.
قلت لها وأنا ماسكة الموبايل وطالعة الرسالة أنا مش هاجري على حد يا ست الكل.. الرسالة دي وصلتني الصبح بالغلط، وهي مكتوبة بخط داليا، ومرسلة من رقمها القديم.. تعالي شوفيها بنفسك، واسأليها هي صحيحة ولا لأ.
مديت الموبايل لحماتي، وكل اللي كان موجود قام وقرب يشوف، ولما قرأت حماتي الكلام رجعت لورا كأنها صعقت، ونظرت لداليا بعينين ما كانتش تصدق اللي شافتها، وقالت بصوت متهدج صدق الكلام ده يا داليا؟ انطقي.. صدق إنك بتعملي كل ده من ورانا؟.
داليا بدأت تعيط بصوت عالٍ ومش عارفة تتكلم، وقالت لا لا.. ده كذب.. هي بتلفق عليا.. هي بتغير مني وعايزة تفرق بيني وبينكم.. ما
تصدقوش كلامها يا ست الكل.. أنا ما عملتش حاجة.. والله ما عملتش حاجة.
قلت لها وأنا مستمرة في هدوئي طيب خلينا نروح للبنك بكره ونشوف الشيكات اللي اخدتيها باسم ماهر ونرى مين اللي قبضها.. وخلينا نسأل صاحب الشقة اللي بعتتيها في العبور ونعرف مع مين كنتي بتتعاملي.. وخلينا نراجع كل الحسابات بتاعت ماهر ونعرف الفلوس راحت فين.. ده كله مش صعب، وكل حاجة هتظهر واضحة قدام الكل.
في اللحظة دي كريم قام وقرب من داليا وقال بصوت غاضب ومصدوم انطقي يا داليا.. قولي لي إن ده مش صحيح.. قولي لي إنك ما سرقتش أخويا وماله وذكراه.. قولي لي إنك ما كنتي بتلعبينا كلنا بدموعك وكلامك الحلو.
داليا لما شافت إن ما فيه فايدة، وإن الحقيقة بدأت تظهر، وقعت على الأرض وبدأت تعيط بصرخة قوية وقالت أنا آسفة.. والله أنا آسفة.. ما كانش قصدي أضر حد.. أنا خافت من المستقبل.. خافت أروح لأهلي ويتحكموا فيا وفي ابني.. حبيت أضمن مستقبل عمر.. ما كانش قصدي أسرق ولا ألعب بيكم.. والله ما كانش قصدي…
حماتي كانت واقفة مش عارفة تقول إيه، كل الثقة اللي كانت عندها في داليا اختفت في لحظة، وكل الكلام اللي كانت بتقوله عن الوفا والأمانة اتقلب ضدها، وبدأت تدمع عينها وقالت بصوت مكسور وأنا كنت شايفة إنك أمانة عندي.. كنت شايفة إنك بنتي.. وكنت بقول للناس ما فيش ستة وفية غيرك.. وطلعتي بتلعبينا كلنا.. وبتلعبين بذكرى ماهر اللي كان بيحبك أكتر من أي حاجة.. حرام عليكي يا داليا.. حرام عليكي.
بعض القرايب كان بيقول لازم نبلغ الشرطة، وبعضهم كان بيقول لازم نرجع الفلوس أولًا، وبعضهم كان بيقول إنها خافت ومش عارفة تتصرف، لكنني كنت قاعدة بصمت، وشايفة المسرحية بتتهاوى قدام عيني، وكل الأقنعة بتسقط واحدة ورا التانية.
داليا حاولت تقرب من حماتي وتقول لها سامحيني يا ست الكل.. سامحيني علشان خاطر عمر.. علشان خاطر ذكرى ماهر.. ما تطرودنيش من البيت… لكن حماتي رجعت لورا وقالت لا.. ما تكلمنيش. . أنا ما عرفتك ولا أعرفك.. روحي لمكان ما جيتي منه.. وكل اللي أخذتيه رجعيّه لنا، وإلا هنعمل معكي اللي شرع الله بيطلبه.
وبعد كده داليا اعترفت بكل حاجة، اعترفت إنها خططت لكل ده من أول ما مات ماهر، وإنها كانت عايزة تاخد كل حاجة، وإن جوازها من كريم كان مجرد وسيلة لتحقيق هدفها، وإن دموعها وكلامها عن الوفا كلها كانت مجرد تمثيل عشان تاخد ثقة الجميع، وخصوصًا ثقة حماتي اللي كانت بتثق فيها أكتر من أي حد.
وخلال الأيام اللي بعد كده رجعت كل الفلوس اللي كانت سرقتها، وقررت العائلة إنها تروح تسكن مع أهلها، وإن عمر يبقى معاهم لحد ما يكبر، وكل فترة نروح نزوره ونعطيه كل حقه من مال واهتمام، لكنها ما عادتش تدخل بيتنا تاني أبدًا.
وحماتي كانت بتعيط كل ما تفتكر اللي حصل، وتقول لي سامحيني يا بنتي.. سامحيني لما كنت بكرهك وأفضل عليها.. كنت عمياء ما شفتش الحقيقة قدامي.. وكنت أعمى قلبي ما حسيتش بوفائك وخدمتك طوال السنين دي.. سامحيني.
كنت أضحك لها وأقول لها ولا يهمك يا ست الكل.. اللي حصل خير، وربنا كشف الحقيقة عشان ما نضلش نعيش في كذب أكتر من كده.. وأنا لسه هنا، ولسه بخدمك وأقف جنبك، وكلنا هنكمل مع بعض.
ومن ذلك اليوم تغير كل حاجة في البيت، حماتي بقت بتعزني أكتر من أي حد، وبتقول للناس إنني البنت اللي ربنا أكرمها بيها، وإن الوفا مش بالكلام ولا بالدموع، لكنه بالفعل والخدمة والصبر اللي بيدوم سنين طويلة.
وبعد فترة كنت قاعدة مع كريم في البلكونة بعد ما خلصنا كل حاجة، وقال لي بصوت مليان الندم والامتنان أنا آسف يا منى.. آسف إنني ما كنتش شايف ولا حاسس بيكِ.. آسف إنني خليتك تتحملي كل ده لوحدك.. من غيرك كنا ضايعين كلنا…
نظرت له وقلت له بابتسامة هادئة المهم إن الحقيقة ظهرت، وإننا كلنا عرفنا مين اللي معانا ومين اللي ضدنا.. وكل ما بيمر يوم بنعرف إن اللي بيتكلم كتير مش زي اللي بيعمل بصمت، وإن الاقنعة مهما طالت مدتها لازم في يوم تسقط، وإن الحقيقة مهما تأخرت لابد تطلع للنور في النهاية.
وظلت الكلمات دي ترن في راسي طوال الوقت إن الصبر مهما طال بياخد أجره، وإن الحق مهما قل بيغلب الباطل مهما كبر، وإن الرب سبحانه وتعالى بيكشف كل سر في الوقت المناسب، في الوقت اللي بيختاره هو، ليعلم عباده إن ما فيش حاجة بتخفى عليه، وإن كل واحد هياخد جزاء ما عمله، إن خير فخير وإن شر فشر.





