عابث في الظلام شروق مصطفى كاملة

ربطت الخيوط ببعضها في لحظة صدمة عارمة هزت كيانها؛ نعم! هو هذا! التوأم الذي حاولت مساعدته نفسياً عن بعد، بعدما كان يتوسل إلي ويبكي أن أجد حلاً، وهو الذي تسبب هروبه في جنون شقيقه..
تذكرت اسمه الآن: جاسر البارون!
أدركت نور أخيراً الحقيقة الكاملة لكل ما حدث.. لم تكن مجرد ضحية حظ عاثر، بل كانت ساحة حرب لثأر أعمى بين شقيقين، ورجل مريض بالسلطة أراد أن يحطمها لأنها حاولت فقط إنقاذ أخيه من بين يدي طغيانه.
وسط هذا الجنون كله، وقف عقل نور عاجزاً أمام لغز مرعب أربك أفكارها؛ إذا كان توأم ظافر قد مات قديماً وهو السبب في كل هذه المأساة، فمن يكون إذن هذا الشخص الواقف في الغرفة المجاورة ويحدثه ظافر الآن؟ وكيف يكون هو نفسه الشاب الهادئ الذي توسل إليها أن تهرب منذ قليل، ثم انقلب في لمح البصر ليقف أمامها بوجهه المرعب ويسلمها لهذا الجحيم؟!
وسط ذهولها ورعبها، انقطع صوت الحوار الحاد فجأة داخل الغرفة المجاورة. حلّ سكوت مطبق ومقبض، خرج ظافر بعينين كالجمر تلاه صوت ارتطام مخيف.. طخ! طخ! ضربات متتالية وعنيفة لرأسه وهو يخبطه بقوة في الحائط كأنه يحاول تحطيم جمجمته لينهي صراعاً داخليا مدمرا يهذي: أخرج بقا سيبني أنتقم منهم.
تسمرت نور مكانها، ومع تدقيقها في تفاصيل انهياره وصدمته، التقطت عقلها الطبيعي الخيوط ببعضها لتدرك الحقيقة المفزعة؛ لم يكن هناك شقيقان توأم من الأساس..
بل هو شخص واحد يصارع مرضا نفسيا، يعاني من اضطراب الهوية الانفصامي (انفصام الشخصية).
هو نفسه من كان يبكي ويستعطفها كأمير الطيب، وأراد مساعدتها للهرب، وهو نفسه من تحول لظافر القاسي والانتقامي.
تنفس بصعوبة بالغة وعيناه الزائغتان تشتعلان بالجنون وهو يحدق بها، فقررت أن تلعب ورقتها الأخيرة مستغلة خبرتها الطبية وهدوءها الحذر:
أنا سامعاك.. وفاهمة أنت حاسس بايه وقد ايه مؤلم.. أنا مش هأذيك يا ظافر، ولا هأذي جاسر. أنا هنا معاك، وهساعدك ترتاح من الصوت ده كله.. بس اهدى.
تسللت كلماتها الهادئة كبلسم بارد إلى أذنيه، واخترقت جدار الجنون الذي كان يحاصره. لم تكن مجرد كلمات، بل كانت مفتاحاً لغرفة مظلمة في أعماقه، غرفة لم يجرؤ أحد على دخولها من قبل. تراجعت يداه عن رأسه ببطء، وعيناه الزائغتان استقرتا عليها، تحملان مزيجاً من الشك والترقب والأمل الخافت. كان جسده يرتجف، لكن الصراخ الداخلي بدأ يخفت تدريجياً.
أنا هنا عشان أساعدك.. سيب البنت، مالهاش ذنب في أي خلاف. وأنا هنا قدامك وتحت أمرك، فكني خليني أساعدك.
ظلت عيناه في حيرة، بنظرات مشتتة بين الشراسة والضياع، لكن صوتها الدافئ والثابت كطبيبة تعرف كيف تتعامل مع الأعماق المكسورة، بدأ يخترق حصون جنونه. راحت ملامحه القاسية تتراجع شيئاً فشيئاً، وبدأت حدة النظرة المظلمة تنطفئ من عينيه، ليحل محلها وميض طفولي خائف ومرتجف، كأن “جاسر” قد عاد أخيرًا ليتسلم السيطرة وسط حطام العاصفة.


