عابث في الظلام شروق مصطفى كاملة

​ما إن سمعت نور سيرة بيتها حتى زادت ضربات قلبها، وظهر الارتعاش على يديها، وهزت رأسها بعنف قاطعة كلام صديقتها بدموع حارة:

أرجع بيتي؟! مستحيل يا منى.. مش قادرة، حتى فكرة أرجع هناك بيجيبلي الرعب.. البيت كله بقى بيفتكرني بالاعتداء واللحظات المرعبة اللي عشتها هناك، مفيش أي طاقة عندي أخطيه تاني.

​أومأت منى بتفهم عميق وألم لحالها، واحتضنت كفيها بحنان قائلة:

​خلاص، متقلقيش من النقطة دي.. أنا فكرت في حل يريحك الشقة اللي جنبنا هنا في نفس العمارة فاضية وصاحبتها لسه عارضاها للإيجار، هكلمهالك النهاردة، تبقي جنبي ونكون مع بعض طول الوقت وتطمني.
​تهلل وجه نور ببعض الراحة وهي تشعر بأن حملاً ثقيلاً انزاح عن صدرها، فقالت بامتنان:
​يا ريت يا منى.. ده هيبقى أحسن حل بجد، على الأقل أبقى مطمنة وأنا معاكي.

​أكملت منى بجدية وحزم وهي تنظر نحو الغرفة التي ترقد فيها الصغيرة:
​وفوق كل ده، ورانا مهمة أهم بكتير.. لازم نسجل الطفلة دي رسمي، ونطلع لها شهادة ميلاد دي، بنت أخويا العسل دي.

مرت الأيام السريعة بثقلها حتى جاء ذلك اليوم الذي شعرت فيه نور بأنها بدأت تستنشق طعم الحياة من جديد. كانت قد انتهت بالفعل من تسجيل الطفلة رسميا بمساعدة منى ومعارفها، واستخرجت لها شهادة الميلاد التي وضعت نهاية للقلق القانوني الذي كان يطاردها.

كما تمكنت بفضل إصرار منى ووقوفها الصلب بجانبها من استئجار الشقة الجديدة في نفس العمارة، لتبدأ صفحة جديدة وآمنة.

​في صباح هذا اليوم، وقفت نور ومنى داخل شقتها القديمة التي كانت لشهور طويلة مسرحا لكابوسها المظلم.

كانت صناديق الكرتون تملأ المكان، وهواء الغرف محملا بذكريات ثقيلة ومؤلمة لا تطيق نور حتى النظر إليها.

​كانت تضع آخر أغراضها في صندوق وهي تنظر حوله باختناق، فقتربت منها منى وأمسكت بكتفيها باحتواء قائلة:

​خلاص يا نور.. اللي فات كله انتهى وقففلنا بابه للأبد، ركزي بس في اللي جاي، الشقة الجديدة مستنياكي وبنتك جوه نايمة في أمان.

​أومأت نور برأسها وهي تبتلع غصة حزن قديمة، وأغلقت الصندوق الأخير بقوة، لتغادر المكان برفقة منى وهي تحمل أمتعتها نحو منزلها الجديد؛ حيث العتبة الطاهرة التي ستجمعها بطفلتها ودفء صديقتها القريب.

​وفي تلك الأثناء، وفي مكان آخر يعزل صخب العالم، كان مركز الشرطة قد تلقى البلاغ الرسمي الذي تقدمت به نور ضد ظافر، مدعوما بكل التقارير والأدلة التي تؤكد تورطه وجنونه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *