عابث في الظلام شروق مصطفى كاملة

وبينما كانت نور تضم صديقتها بانهيار، التفتت برأسها سريعاً نحو الأريكة حيث تستلقي الطفلة الصغيرة، ورفعت كفيها المرتجفتين للسماء بقلب يقطر حمدا وشكرا، وهي تهمس بصوت مبحوح ودموع الامتنان تبلل وجهها:
الحمد لله.. الحمد لله إنها عايشة.. الحمد لله إنها خرجت من الكابوس ده بجد دا شيطان انا مش هسيب حق أخويا من بكره هقدم بلاغ ضده.
شاركتها منى النظرات، وهي تمسح دموعها بطرف أصابعها، ونظرت بذهول بالغ إلى الصغيرة النائمة بسلام، لتدرك هول ما نجتا منه جميعا، وتردد معها بصوت خافت يملؤه اليقين:
متخافيش يا نور.. أنا جنبك مش هسيبك وهنجيب حقك وحق أخويا من الكلب دا.
الحمد لله ألف مرة إن ربنا نجاكم وكتب ليكم عمر جديد وسط كل الشر ده.
نهضت منى ببطء، واقتربت من الأريكة حيث ترقد الصغيرة، مدت يديها المرتجفتين وحملتها بحذر شديد، كأنها تحمل جوهرة ثمينة قابلة للكسر. وما إن لامست الطفلة صدرها، حتى انهمرت دموع منى بغزارة أكبر. ضمتها إلى صدرها بقوة، وأغمضت عينيها وهي تستنشق بعمق رائحة الطفلة، وكأنها تحاول استحضار طيف أخيها الراحل، والدهشة تملأ قلبها وهي تهمس بصوت مختنق:
دي.. دي ريحة أخويا.. روحه رجعتلنا فيها! يا حبيبي يا أخويا.. سبحان الله، كأنك لسه عايش وسطينا.
نظرت إليها نور وهي تبكي بصمت، وأومأت برأسها مؤكدة الحقيقة التي اكتشفتها بدورها. وبعد لحظات، التفتت نور نحو منى بنظرة يملؤها الرجاء والامتنان وهي تقول بصوت خافت:
معلش يا منى.. تعبتك معايا.. ممكن تحضري لي مكان أرتاح فيه أنا والصغيرة دي لحد الصبح؟ مش قادرة أفكر في أي حاجة تاني.
ابتسمت منى بحنان بالغ وهي لا تزال تضم الصغيرة، ورفعت رأسها لتؤكد لها باحتواء:
تعبك راحة يا نور.. الشقة شقتك
. قومي ارتاحي جوه، وأنا هجهز لكم كل اللي تحتاجوه.
أومأت نور برأسها شاكرة، وحملت الصغيرة بحذر لتدخل بها إلى الغرفة الدافئة، وكادت أن تغلق الباب تنهدت نور بعمق، وعبثت بأصابعها بتوتر واضح قبل أن تسأل منى بنبرة قلقة:
طيب.. هو جوزك فين دلوقتي؟
أجابت منى ببساطة وهي تعدل جلستها:
متقلقيش مسافر شغل.. وجاي بعد يومين.
عادت ملامح القلق لتتضاعف على وجه نور، لتردف منى باهتمام حانٍ وهي تسألها:
قولي لي بقى يا نور.. ناوية تعملي إيه في خطوتك الجاية؟ هترجعي بيتك؟


