روايه كامله

لكن ملامح كريم اتغيرت تدريجيًا.
في الأول كان بيتكلم بثقة…
بعدها بقى ساكت أغلب الوقت…
وفي الآخر، مد إيده وصافح آدم باحترام.
ولما كريم جه ناحيتي قبل ما يمشي، قال بهدوء
الحفلة كانت ناجحة… وابننا عمره ما هينسى اليوم ده.
ابتسمت وقلت
وده أهم شيء.
هز رأسه، وخد أولاده وسلم عليهم، ومشي من غير أي كلمة زيادة.
بعد ما آخر الضيوف غادروا، لفيت ناحية آدم وقلت مبتسمة
أنا لحد دلوقتي مش فاهمة قلت له إيه خلاه يغيّر طريقته بالشكل ده.
ابتسم آدم وهو شايل آخر صندوق هدايا، وقال
ولا حاجة كبيرة… بس فكّرته إن الأطفال بيحفظوا تصرفات الكبار أكتر من كلامهم… وإن النهارده كان يوم ابنكم، مش يوم أي حد فينا.
سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر إلى مكان لعب الأطفال
ولما الأب والأم يحطوا خلافاتهم على جنب في يوم زي ده… الولد هو اللي بيكسب ابتسمت لكلامه، وحسيت إنه عنده حق.
كان اليوم كله ماشي أحسن مما توقعت، لكن لسه كان في موقف صغير غيّر نظرتي لحاجات كتير.
وأنا بجمع الهدايا، جري عليا ابني الكبير وقال
ماما… ممكن كلنا نتصور صورة أخيرة؟
قلت بابتسامة
طبعًا.
وقف الأولاد حوالينا، وكريم وقف في طرف الصورة، وأنا في الطرف التاني.
المصور قال وهو بيضحك
يا جماعة… قربوا شوية، الصورة دي للولد، مش للكبر.
بصينا لبعض أنا وكريم، وبعدين قربنا خطوة صغيرة، علشان الأولاد بس.
اتصورت الصورة، وكان وش أولادنا كله فرحة.
بعدها، كريم قرب مني وقال بصوت هادي
أنا عايز أشكرك.
استغربت وسألته
على إيه؟
قال
كنت فاكر إن الحفلة هتبقى مليانة توتر، لكن إنتِ خليتي اليوم كله مريح علشان الأولاد.
رديت بهدوء
إحنا ممكن نختلف في أي حاجة… لكن عمرنا ما نختلف على ولادنا.
هز رأسه بالموافقة، وقال
عندك حق.
في اللحظة دي، آدم كان واقف بعيد يستعد يمشي.
روحت له وقلت
بشكرك جدًا… وجودك ساعدني أعدي اليوم من غير قلق.
ابتسم وقال
أنا معملتش غير شغلي.
ناولته الأجر اللي اتفقنا عليه، لكنه رجع جزء منه.
استغربت وقلت
إيه ده؟
رد بابتسامة
الاتفاق كان على كام ساعة، وإحنا خلصنا بدري. الباقي من حقك.
نظرت إليه بإعجاب، مش بسبب شكله، لكن بسبب أمانته.
قبل ما يركب عربيته، لوّح للأولاد، وكلهم لوحوا له وهم بينادوه
مع السلامة يا عمو آدم!
ضحك وهو يرد عليهم، ثم غادر.
وقفت أبص لأولادي وهم بيجروا ويلعبوا، وحسيت إن اليوم ده علمني درس مهم…
مش لازم أحاول أثبت لأي حد إني نجحت بعد الطلاق.
ولا أحتاج أمثل إني سعيدة علشان أكسب احترام الناس.
احترام الإنسان لنفسه، وطريقته في التعامل، هما اللي بيتكلموا عنه.
وأول ما دخلت البيت بالليل، لقيت ابني الكبير حاطط الصورة اللي اتصورناها كلنا على شاشة موبايله، ومعلق تحتها جملة بسيطة
أحسن عيد ميلاد… لأن كل اللي بحبهم كانوا موجودين.
وقفت أبص للجملة دي، وابتسمت في هدوء، وعرفت إن كل التعب كان يستحق اللحظة دي مرت أيام على الحفلة، والحياة رجعت لهدوئها.
رجعت لشغلي، والأولاد رجعوا لمدارسهم، وكل واحد انشغل بروتينه المعتاد.
وفي مساء يوم الجمعة، كنت بعمل عشا خفيف، لما موبايلي رن.
كان رقم غير مسجل.
رديت بحذر
ألو؟
جالي صوت مألوف.
مساء الخير… معاكِ آدم.
ابتسمت تلقائيًا.
أهلًا يا آدم، خير؟
قال
كنت بكلمك بس أطمن إن كل حاجة تمام، وأقولك إن ابنك ساب عندي حاجة من يوم الحفلة.
استغربت.
إيه هي؟
قال وهو يضحك
الكاب بتاعه. واضح إنه نسيه وهو بيلعب.
قلت
يا نهار أبيض… قلبنا البيت عليه.
اتفقنا نتقابل في كافيه قريب علشان آخده.
تاني يوم، وصلت قبل الميعاد بخمس دقايق.
لقيته مستني، وحاطط الكاب فوق الترابيزة.
ناولني إياه وقال
أهو… صاحبه أكيد زعلان عليه.
شكرته، وكنت همشي، لكنه قال
ممكن أقولك حاجة؟
هزيت راسي.
قال
أنا حضرت مناسبات كتير، لكن قليل لما أشوف أم حاطة أولادها قبل نفسها بالشكل ده.
ابتسمت بخجل وقلت
أي أم مكاني كانت هتعمل نفس اللي عملته.
رد بابتسامة
مش كل الناس زي بعض.
شربنا قهوة سريعة، واتكلمنا شوية عن الأولاد، وعن شغله في التمثيل وتنظيم الفعاليات.
ولما قمنا نمشي، كل واحد راح في طريقه.
بعد أسبوع، كنت في اجتماع المدرسة الخاص بابني الكبير.
وأثناء خروجي، لقيت كريم واقف مستني.
قرب وقال بهدوء
المدرس شكر في مستوى ابننا… قال إنه بقى أهدى ومذاكرته اتحسنت.
ابتسمت.
الحمد لله.
سكت لحظة، ثم قال
واضح إنه ارتاح لما لقانا بنتعامل باحترام قدامه.
نظرت له وقلت
الأولاد مش محتاجين يشوفوا أهلهم متفقين في كل حاجة… محتاجين بس يشوفوا إنهم محترمين بعض.
وافقني وهز رأسه.
ومن يومها، بقينا لما يكون في مناسبة تخص الأولاد، نتعامل بهدوء، بعيدًا عن أي خلافات قديمة.
أما آدم…
فبقي مجرد شخص بدأ كممثل في يوم واحد، لكنه انتهى كصديق محترم للعائلة، والأولاد كلما شافوا صور عيد الميلاد كانوا يسألوا
هو عمو آدم هييجي معانا السنة الجاية؟
وأنا كنت أبتسم وأرد
لو الظروف سمحت… أكيد هيكون سعيد يشوفكم بعد الحفلة بأيام، كنت برتب الصور على اللابتوب علشان أعمل ألبوم لكل سنة من أعياد ميلاد الأولاد.
بنتي الصغيرة كانت قاعدة جنبي، وكل شوية تشير على صورة وتقول
دي… دي.
ضحكت وأنا أقول
أيوه يا حبيبتي، دي صورة بابا… ودي صورة إخواتك.
وفجأة ابني الكبير دخل الأوضة وقال
ماما، ممكن أقولك حاجة؟
قفلت اللابتوب وبصيتله.
اتفضل.
قال وهو متردد
أنا كنت زعلان لما عرفت إن بابا وماما مش هيعيشوا مع بعض تاني… لكن بعد آخر سنتين فهمت حاجة.
سألته
إيه هي؟
قال
إن البيت الهادي أحسن من البيت اللي كله مشاكل.
الكلمة دي لمست قلبي.
قربت منه وقلت
وأنا وعدتك من أول يوم إنك إنت وإخواتك هتفضلوا أهم حاجة عندي.
ابتسم وقال
وعشان كده إحنا مبسوطين.

في نفس الأسبوع، المدرسة أعلنت عن يوم رياضي للعائلات.
كل طفل يقدر يشارك مع حد من أسرته.
ابني الصغير أصر إنه يشارك معايا.
أما الكبير فقال
أنا هشارك مع بابا.
ابتسمت وقلت
اختيار جميل.
وفي يوم النشاط، كنت أنا وكريم لأول مرة من سنين في نفس المكان لساعات طويلة.
كل واحد فينا كان بيشجع الأولاد، من غير أي توتر أو خلاف.
حتى المدرسين لاحظوا ده.
مديرة المدرسة قربت مني وقالت
واضح إنكم رغم الانفصال، قدرتوا تحافظوا على احترامكم لبعض… وده انعكس على الأولاد.
ابتسمت في هدوء.
حاولنا نخليهم يدفعوش تمن قرارات الكبار.
في آخر اليوم، الأولاد خدوا ميداليات مشاركة.
ولا واحد فيهم كان مهتم بالمركز الأول…
كانوا فرحانين إنهم قضوا اليوم كله وهم شايفين أبوهم وأمهم بيشجعوهم.
وأنا راجعة بالعربية، حسيت إن النجاح الحقيقي مش في إن حد يثبت إنه كسب بعد الطلاق…
النجاح الحقيقي إن الأولاد يكبروا وهم حاسين إنهم لسه عندهم أسرة، حتى لو الأب والأم بقوا في بيتين مختلفين.
لكن وأنا بركن العربية قدام البيت…
وصلتني رسالة على هاتفي من رقم غير معروف.
فتحتها، لقيت مكتوب فيها
في شخص بيسأل عنك من فترة… وعايز يقابلك في موضوع مهم جدًا. ولو عرفتي مين هو، هتتفاجئي.
نظرت للرسالة باستغراب، وحاولت أتصل بالرقم…
لكن الهاتف كان مغلقًا مرّت شهور، وجاء عيد ميلاد ابننا مرة تانية.
السنة دي، هو اللي كان مسؤول عن قائمة الضيوف.
وأنا براجع معاه الأسماء، لقيته كاتب اسم عمو آدم.
ابتسمت وقلت
إنت لسه فاكره؟
رد وهو بيضحك
طبعًا… هو اللي لعب معانا كورة، وساعد في المسابقات، وماحسسناش إنه غريب.
فكرت شوية، وبعتّ لآدم رسالة قصيرة
لو فاضي يوم الجمعة، الأولاد هيكونوا مبسوطين لو جيت تسلم عليهم.
بعد دقائق رد
يشرفني… وهجيب معايا مفاجأة صغيرة.
وفي يوم الحفلة، وصل وهو شايل صندوق طويل مغلف.
الأولاد جريوا عليه أول ما شافوه.
قال وهو يضحك
استنوا… افتحوه بعد ما نخلص المسابقة.
ولما جه الوقت، فتحوا الصندوق…
وكان فيه شبكة كرة طائرة صغيرة، وكور خفيفة، وألعاب جماعية تناسب كل

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *