روايه كامله

في يوم من الأيام، كنت متجوزة من كريم، وعشنا مع بعض عشرين سنة كاملة. بنينا بيت، وربّينا أربعة أولاد، وكنت فاكرة إن كل التعب اللي بنمر بيه طبيعي، وإن الأيام الصعبة بتعدي طالما إحنا مع بعض.
لكن مع مرور الوقت، كل حاجة اتغيرت.
كريم بقى بارد في كلامه، قليل الاهتمام، وأي محاولة مني أصلح اللي بينا كانت بتقابَل بالتجاهل. ولما حاولنا نكمل، اكتشفنا إننا بقينا مختلفين في كل حاجة، وبعد محاولات كتير من الأهل والمقربين، اتفقنا إن الانفصال هو الحل الأفضل، وتم الطلاق باحترام، وكل واحد بدأ حياته بعيد عن التاني.
رغم الطلاق، فضلت مركزة على أولادي. أكبرهم كان قرب يتم خمسة عشر سنة، وكان نفسه يحتفل بعيد ميلاده بحفلة كبيرة عند حمام السباحة، يدعي فيها أصحابه وكل أفراد العيلة.
اشتغلت أيام إضافية، ووفرّت كل جنيه أقدر عليه علشان أنفذ له الأمنية دي. كنت عايزة أشوف الفرحة في عينيه، حتى لو كنت أنا لسه بحاول أرتب حياتي من جديد.
قبل الحفلة بيومين، بعتلي كريم رسالة قصيرة
أنا هاحضر عيد ميلاد ابننا.
رديت عليه
أكيد… ده يومه وهو هيكون مبسوط إنك موجود.
وبعدها بدقايق، وصلت رسالة تانية
وهجيب معايا واحدة من زمايلي في الشغل.
وقفت أبص للموبايل شوية، ومردتش. قلت لنفسي إن ده حقه، لكن في نفس الوقت حسيت إني مش مستعدة أقف لوحدي وسط كل الناس، خصوصًا إن أغلب العيلة كانوا عارفين إني لسه بعد الطلاق معنديش حد في حياتي.
ماكنتش عايزة أبان مكسورة، ولا كنت عايزة ألفت الانتباه لنفسي.
فجأة افتكرت إن في وكالة تمثيل بتوفر ممثلين للمناسبات والإعلانات.
روحت هناك، وشرحت لهم الموقف بكل هدوء.
قلت للموظفة
أنا مش بدور على تمثيلية كبيرة… كل اللي محتاجاه شخص يحضر معايا الحفلة، يتعامل باحترام، وكأنه صديق مقرب، وبس.
ابتسمت وقالت
عندنا حد مناسب جدًا للمهمة

دي.
بعد نص ساعة، دخل شاب اسمه آدم.
كان طويل، أنيق، وابتسامته هادية جدًا.
أول ما شوفته قلت بسرعة
لا… أكيد حصل غلط. الناس مش هتصدق إنك صاحبتي.
ضحك وقال
إحنا مش رايحين نمثل على الناس… إحنا رايحين نخليكي واثقة من نفسك. سيبي الباقي عليّ.
طريقته الهادية خلتني أوافق، واتفقنا على كل التفاصيل.
وجاء يوم الحفلة…
كنت واقفة أستقبل الضيوف، وقلبي بيدق بسرعة، بينما آدم واقف جنبي بكل هدوء، بيتعامل مع الكل بأدب، ويساعد الأولاد في استقبال الهدايا.
وبعد حوالي ساعة…
وصل كريم. كان ماشي بثقة، ولما لمحني، ابتسم ابتسامة خفيفة، لكن أول ما وقعت عينه على آدم الواقف جنبي… توقف مكانه، وكأنه ماكانش متوقع المشهد ده أبدًا كريم وقف لحظة، وبعدين كمل طريقه لحد ما وصل عندنا.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال
أهلاً… واضح إن الحفلة معمولة على أعلى مستوى.
ابتسمت بهدوء وقلت
الحمد لله، أهم حاجة إن ابننا يكون مبسوط.
بص ناحية آدم وقال بنبرة فيها سخرية
ومين الأستاذ؟
قبل ما أتكلم، آدم مد إيده باحترام وقال
أنا آدم… صديق للأسرة، وتشرفت بمعرفتك.
صافحه كريم ببرود، وقال
تشرفنا.
وبعدين لف حواليه يبص على تجهيزات الحفلة وقال
واضح إنك صرفتي كتير.
رديت بابتسامة
كل ده علشان ولادنا يستمتعوا بيومهم.
في الوقت ده، ابننا الكبير جري على أبوه ، وبعدها مسك إيد آدم وقال
تعالى يا عمو آدم، عايزين نصور صورة جماعية.
من غير تردد، آدم راح مع الأولاد، وقعد يساعدهم في تنظيم الألعاب، ويوزع الجوائز، ويشجع الصغير قبل الكبير.
كل الموجودين لاحظوا إنه شخص محترم، لا حاول يلفت الانتباه لنفسه، ولا تدخل في أي حاجة متخصوش.
بعد شوية، بدأ الضيوف يتجمعوا حوالين البوفيه.
وكان في مسابقة بسيطة للأطفال، والجائزة كانت هدية كبيرة مغلفة.
المذيع قال
محتاجين متطوع من الكبار يساعدنا في اختيار الفائز.
رفع كريم إيده بسرعة، وفي نفس اللحظة، الأطفال كلهم صاحوا
آدم… آدم… آدم!
ضحك الحضور، واضطر المذيع يختار آدم بسبب إصرار الأطفال.
ابتسم آدم وقال
طالما القرار قرار الأبطال الصغيرين، يبقى لازم أنفذه.
وقف على المسرح الصغير، وتعامل مع الأطفال بخفة ظل واحترام، وخلال دقائق كان الضحك مالي المكان.
حتى الكبار بقوا يصفقوا له.
أما كريم، فكان واقف بعيد، واضح عليه الضيق، لأنه كان متوقع يبقى هو مركز الاهتمام، لكن كل الأنظار كانت متجهة ناحية فرحة الأولاد، مش أي شخص تاني.
وبينما الجميع منشغل، اقترب آدم مني بهدوء وقال بصوت منخفض
النهارده مش يوم إثبات حاجة لحد… النهارده يوم ابنك. خليه يفتكره بأجمل صورة.
هزيت رأسي وأنا بابتسم، وحسيت لأول مرة من وقت طويل إن راحتي النفسية أهم من رأي أي حد في الدنيا ابتدى وقت تقطيع التورتة، وكل الأطفال تجمعوا حوالين ابننا وهم بيغنوله في صوت واحد.
كان بيضحك من قلبه، ودي كانت أول مرة أشوفه سعيد بالشكل ده من وقت الطلاق.
بعد ما خلصنا، جه أخو كريم الكبير وربت على كتفي وقال
بصراحة… إنتِ عملتي يوم جميل للولد. واضح إنك تعبتي جدًا.
ابتسمت وقلت
كل التعب يهون علشان أشوفه فرحان.
في اللحظة دي، واحد من العمال المسؤولين عن تنظيم الحفلة جري علينا وهو باين عليه القلق.
قال
يا جماعة… في مشكلة صغيرة.
سألته بسرعة
خير؟
رد
جهاز الصوت الرئيسي فصل، ولسه بعد خمس دقايق هتبدأ فقرة تكريم صاحب عيد الميلاد.
بدأ الناس تتوتر، والأطفال بقوا يهمسوا لبعض.
كريم حاول يقرب وقال
أنا أعرف حد ممكن يجيب جهاز تاني، بس هياخد وقت.
قبل ما حد يرد، آدم سأل العامل بهدوء
في سماعات احتياطية أو ميكروفون متنقل؟
قال العامل
في، بس محدش عارف يشغله.
ابتسم آدم وقال
هاتوه.
قعد على الأرض قدام الأجهزة، وبعد دقائق قليلة كان بيرتب التوصيلات واحدة واحدة.
وفجأة…
رجع الصوت يشتغل في المكان كله.
الأطفال صقفوا تلقائيًا، وصاحب شركة التنظيم قال وهو مبتسم
أنقذت الحفلة والله.
أنا استغربت وقلت لآدم
إنت بتفهم في الحاجات دي؟
ضحك وقال
زمان كنت بشتغل في تنظيم المؤتمرات قبل ما أدخل مجال التمثيل، فالحاجات دي مألوفة بالنسبة لي.
ابتسمت لأول مرة من غير أي توتر.
أما كريم، فكان واقف ساكت، وباين عليه إنه بدأ يشوف آدم بشكل مختلف تمامًا.
وبعد انتهاء الفقرة، طلب مقدم الحفل من الجميع الهدوء وقال
وصلت دلوقتي هدية أخيرة لصاحب عيد الميلاد، واللي بعتها رفض يكتب اسمه على الكارت… وقال إنها تتفتح قدام كل الحضور.
كل العيون اتجهت ناحية الصندوق الكبير المغلف…
وابننا مسكه بإيدين مرتعشتين، وهو بيبص ليا مستأذن يفتحه ابتسمت له وقلت
افتحها يا حبيبي… دي هديتك.
بدأ يفك الشريط ببطء، وكل الأطفال واقفين حواليه مستنيين يعرفوا إيه اللي جوه الصندوق.
أول ما فتحه…
ظهر صندوق أصغر، وفوقه ظرف أبيض مكتوب عليه
إلى بطل النهارده.
فتح الظرف، وبدأ يقرأ بصوت مسموع
كل سنة وأنت طيب. أتمنى تفضل دايمًا فخور بنفسك، وتفتكر إن أجمل هدية هي الناس اللي بتحبك بصدق.
سكت لحظة، وبعدين طلع من الصندوق كرة قدم عليها توقيع لاعبه المفضل، ومعاها قميص رسمي بنفس الرقم اللي كان بيحلم بيه من سنين.
شهق من الفرحة، وجرى وهو بيقول
ماما… دي بالظبط اللي كنت بحلم بيها!
الناس كلها صقفت، لكن السؤال كان لسه موجود…
مين اللي بعت الهدية؟
مقدم الحفل قال
واضح إن صاحب الهدية طلب يفضل مجهول.
في اللحظة دي، آدم ابتسم ابتسامة خفيفة وبص بعيد، كأنه عارف حاجة ومش عايز يتكلم.
بعد انتهاء الاحتفال، بدأ الضيوف يمشوا واحد ورا التاني.
وأنا كنت بجمع الهدايا، لقيت كريم واقف بعيد، مستني إن آدم يخلص كلامه مع العمال.
أول ما آدم قرب، كريم قال له
ممكن دقيقة؟
هز آدم رأسه بالموافقة، ووقفوا يتكلموا على جنب.
ماكنتش سامعة الكلام،
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *