روايه كامله

الأعمار.
في أقل من خمس دقايق، كل الأطفال كانوا بيلعبوا مع بعض، حتى الكبار دخلوا يشاركوا.
واحدة من الأمهات قربت مني وقالت
بصراحة… الشخص ده بيعرف يخلي أي مكان كله طاقة حلوة.
ابتسمت وقلت
دي طبيعته.
في نهاية اليوم، وأنا بساعد العمال يشيلوا الكراسي، لقيت ظرف صغير فوق الترابيزة.
كان مكتوب عليه
لصاحبة أجمل تنظيم.
فتحته…
لقيت جواه صورة من عيد الميلاد اللي فات، متأطرة بإطار خشبي بسيط.
كانت الصورة لولادي الأربعة وهم بيضحكوا من قلبهم.
وخلف الصورة ورقة صغيرة مكتوب فيها
النجاح الحقيقي مش إن الناس تفتكر الحفلة… النجاح إن الأولاد يفضلوا فاكرين إحساس الأمان اللي عاشوه فيها.
بصيت حواليّ أدور على آدم، لكن كان خلاص استأذن ومشي من غير ما يقول إنه هو اللي ساب الهدية.
قفلت الإطار على صدري وأنا بابتسم.
لأول مرة، حسيت إن الصفحة القديمة اتقفلت فعلًا… مش لأن الماضي اتنسى، لكن لأن الحاضر بقى أجمل، والمستقبل بقى مليان راحة وسكينة مرّت سنة كاملة بعد الموقف ده.
كبر الأولاد سنة، وكبر معاهم إحساسهم بالمسؤولية.
وفي يوم، ابني الكبير دخل عليّ وهو ماسك ورقة.
قال بحماس
ماما… المدرسة عاملة مسابقة بعنوان الشخص اللي أثر في حياتك.
ابتسمت وسألته
وهتكتب عن مين؟
قال
كنت هكتب عنك… وبعدين فكرت أكتب عن اتنين.
استغربت.
اتنين؟
هز رأسه وقال
عنك… وعن بابا.
ابتسمت وقلت
ليه؟
قال وهو يقعد جنبي
لأنكم رغم إنكم مبقتوش مع بعض، عمركم ما خلتونا نحس إننا لازم نختار بينكم.
سكت لحظة، ثم أكمل
وفي آخر الصفحة… هكتب عن عمو آدم.
ضحكت وقلت
هو كمان؟
قال
أيوه… لأنه علمني إن الرجولة مش صوت عالي ولا شكل… الرجولة احترام.
الكلمة دي خلتني أسكت.
بعد أسبوع، المدرسة أعلنت نتيجة المسابقة.
ابني رجع البيت وهو بيجري.
ماما… كسبت المركز الأول!
ولما قريت الموضوع اللي كتبه، لقيت آخر سطر فيه
العيلة مش معناها إن كل الناس يعيشوا في بيت واحد… العيلة هي الناس اللي تحافظ على احترام بعضها، علشان الأطفال يفضلوا مطمنين.
الكلمات دي أثرت في كل المدرسين.
حتى مديرة المدرسة طلبت إذن منه تعلق الموضوع في لوحة الشرف.
وفي نفس اليوم، كان في احتفال صغير لتكريم الطلبة.
دعونا أنا وكريم.
ولما خلص الحفل، وقف ابني على المسرح وقال
أنا عايز أشكر تلاتة… ماما، وبابا… وكل شخص وقف جنبنا وخلى حياتنا أحسن.
ثم نزل من المسرح، ووسط تصفيق الناس كلها، جري علينا
وقتها، كريم بص لي وقال بهدوء
يمكن إحنا منعرفناش نكمل كزوجين… لكن الحمد لله عرفنا نكون أبوين.
ابتسمت وأنا أرد
وده أهم نجاح حققناه.
وفي آخر القاعة، كان آدم حاضر بدعوة من المدرسة، لأنه كان متطوعًا في تنظيم الاحتفال.
لما شاف المشهد، ابتسم من بعيد، ولوّح للأولاد، ثم انصرف بهدوء، من غير ما يحاول يخطف الأضواء.
لأن البطل الحقيقي في القصة… ماكانش أي واحد من الكبار.
كان الطفل اللي خرج من كل اللي حصل، وهو لسه مؤمن إن الاحترام والحب ممكن يفضلوا موجودين، حتى لو اتغيرت الظروف فضلت أبص للرسالة شوية، وأنا مستغربة.
الرقم مقفول، ومفيش أي اسم أو تفاصيل.
في الأول قلت أتجاهلها، لكن بعد يومين جالي اتصال من رقم مختلف.
رديت بحذر
ألو؟
جالي صوت راجل كبير في السن.
قال
حضرتك الأستاذة…؟
قلت
أيوه، معاك.
قال
أنا عم حسين، صاحب وكالة التمثيل اللي اتفقتِ معاها من سنة.
افتكرته على طول.
قلت
أهلًا يا عم حسين، خير؟
قال
خير إن شاء الله. آدم طلب مني أوصلك رسالة، لأنه سافر شغل بره المحافظة، وقال إنه ميحبش يزعجك بشكل مباشر.
استغربت.
رسالة إيه؟
قال
هو كان بيفتح شركة صغيرة لتنظيم المناسبات، وكان عايز يشكرك.
ضحكت وقلت
يشكرني على إيه؟
رد
قال إن أول حفلة اشتغل فيها بنفسه كانت حفلة عيد ميلاد ابنك، وبعد نجاحها الناس بدأت ترشحه، ولحد النهارده بيقول إن اليوم ده كان نقطة البداية.
قفلت المكالمة وأنا مبتسمة.
ماكنتش متوقعة إن يوم كنت فاكراه مجرد مناسبة عائلية يكون سبب في تغيير حياة حد تاني.
بعد أسبوع تقريبًا، وأنا خارجة من الشغل، لقيت عربية صغيرة واقفة قدام الباب.
نزل منها آدم.
ابتسم وقال
اتوحشت أشوف الأولاد.
ضحكت.
هما كمان بيسألوا عليك كل شوية.
فتح شنطة العربية، وطلع أربع علب صغيرة.
قال
دي هدايا بسيطة… كل واحد حسب هوايته.
ابني الكبير كانت الهدية ليه كتاب عن التصوير لأنه بدأ يهتم بالكاميرات.
والتاني لعبة تركيب هندسية.
والتالت أدوات رسم.
أما الصغيرة، فجاب لها دبدوب أبيض أكبر منها تقريبًا.
فرحت بيه جدًا، وفضلت حاضناه طول اليوم.
وأنا ببص للمشهد، قلت
أنت كل مرة بتفاجئنا.
ابتسم وقال
أنا بس بحب أشوف الأطفال مبسوطين.
في اللحظة دي، خرج كريم من عربيته، لأنه كان جاي ياخد الأولاد يقضوا معاه نهاية الأسبوع.
لما شاف آدم، ابتسم لأول مرة من غير أي تحفظ.
قرب منه، وصافحه بحرارة وقال
الأولاد بيحبّوك… وأنا مقدر كل موقف محترم عملته معاهم.
رد آدم باحترام
دول أولاد محترمين، ويستحقوا كل خير.
وقف كريم يبص للأولاد وهم بيضحكوا، ثم قال
واضح إنهم محظوظين إن حواليهم ناس بتفكر في مصلحتهم.
ابتسمت وأنا أشوف المشهد.
ساعتها أدركت إن أجمل انتصار في حياتي ماكانش إني أثبت حاجة لحد…
كان إن أولادي بقوا يعيشوا في جو كله احترام، ومحبة، وراحة، مهما اختلفت ظروف الكبار بعد الاحتفال، كنت فاكرة إن القصة خلاص وصلت لنهايتها.
لكن الحياة كان لسه مخبية لنا مفاجآت.
بعد شهر تقريبًا، المدرسة أعلنت إنها هتعمل يوم تطوعي لتجديد مكتبة الأطفال، وطلبت أولياء الأمور اللي يقدروا يشاركوا.
أنا سجلت اسمي.
ولما وصلت يوم الفعالية، فوجئت إن كريم كمان سجل.
بصينا لبعض، وابتسمنا باحترام.
كل واحد راح للمهمة اللي اتكلف بيها.
وأثناء ترتيب الكتب، دخل آدم.
كان متطوع مع فريق بيجهز ركن للقراءة والرسم.
أول ما الأولاد شافوه، جروا عليه.
قال ابني الصغير وهو بيضحك
عمو آدم… إنت كل مرة بتظهر في المكان الصح!
ضحك آدم وربت على رأسه.
يمكن علشان إنتوا موجودين.
قضينا اليوم كله بنشتغل.
في آخر اليوم، مديرة المدرسة جمعتنا وقالت
النهارده اتبرع للمكتبة بأكتر من ألف كتاب، وده بفضل كل واحد شارك.
صفق الجميع.
وفجأة، نادت على ابني الكبير.
تعالى يا بطل.
طلع قدام الناس.
ناولته شهادة تقدير، وقالت
إنت كنت أول طالب يقترح حملة التبرع بالكتب، وأقنعت زمايلك يشاركوا.
بص ليا بابتسامة فخر.
ثم بص ناحية والده.
ثم ناحية آدم.
وقال قدام الجميع
أنا اتعلمت إن أي حاجة حلوة بتبدأ بفكرة صغيرة… ولما الناس تتعاون، بتكبر.
صفق الحاضرون بحرارة.
وأثناء خروجنا، وقف كريم جنبي وقال
فاكرة أول عيد ميلاد بعد الطلاق؟
ابتسمت.
أنساه إزاي؟
قال وهو يضحك
وقتها كنت فاكر إن أهم حاجة مين هيكسب الموقف.
سكت لحظة، ثم أكمل
دلوقتي عرفت إن مفيش حد كسب… غير أولادنا.
هززت رأسي موافقة.
وده كان الهدف من البداية.
وفي الطريق إلى البيت، الأولاد كانوا بيتخانقوا ضحك على مين هيحط شهادة التقدير في أوضته.
أما أنا…
فاكتفيت إني أبص لهم من مراية العربية وأبتسم.
لأن كل التعب، وكل الدروس، وكل الأيام الصعبة… كانت تستحق اللحظة دي بعد مرور عامين…
كان ابني الكبير بيتخرج من الثانوية، وقرر يعمل احتفال بسيط في البيت.
المرة دي، هو بنفسه كتب أسماء المدعوين.
أنا، وإخواته، وأبوه كريم… وحتى آدم.
لما وصل الجميع، كان ابني واقف في منتصف الصالة، وقال
قبل ما نبدأ، عايز أقول كلمتين.
سكت الجميع.
ابتسم وقال
زمان كنت فاكر إن نهاية عيلتنا كانت يوم الطلاق… لكن دلوقتي فهمت إن النهاية الحقيقية كانت هتبقى لو فضلنا نكره بعض.
بص ناحيتي، ثم ناحية والده.
أمي عمرها ما منعتني أشوف بابا، وبابا عمره ما خلاني أحس إني لازم أختار بينه وبين ماما.
ثم التفت إلى آدم وقال
وعمو آدم علمني إن الإنسان المحترم يسيب أثر من غير ما يفرض نفسه على حد.
بعدها نزل من على المنصة الصغيرة،
وطلع ألبوم صور.
فتح أول صفحة…
كانت صورة عيد الميلاد عند حمام السباحة.
وقال وهو يضحك
الصورة دي كانت بداية كل حاجة.
ثم قلب الصفحة الأخيرة…
وكان فيها صورة حديثة تجمعني أنا، وكريم، وأولادنا الأربعة، وآدم واقف في آخر الصف مبتسم.
تحت الصورة كانت جملة بخط ابني
العائلة لا تُقاس بمن يعيشون تحت سقف واحد، بل بمن يحافظون على الاحترام والمودة مهما تغيّرت الظروف.
ساد الصمت للحظات…
ثم بدأ الجميع يصفق.
نظر إليّ كريم وقال بابتسامة صادقة
الحمد لله… نجحنا في أهم مهمة في حياتنا.
ابتسمت وأنا أنظر إلى أولادنا، وقلت
أيوه… وربنا عوضهم عن كل يوم صعب عاشوه.
وفي تلك اللحظة أدركت أن السعادة الحقيقية لم تكن في إثبات شيء لأحد، ولا في كسب أي موقف…
بل في أن يكبر أولادنا وهم محاطون بالاحترام، والطمأنينة، والحب.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *