عشيقته زوجي بقلم نورهان

**الجزء الثالث:**
دخلت مكتب المحامي في المهندسين، وكان حازم قاعد ومربع رجله، ماسك الموبايل وبيتكلم بصوت عالٍ يعلم بيه الشارع كله، كأنه رئيس جمهورية نفسه. أول ما شافني، قفل السكة وحط الموبايل على الترابيزة ببطء، وابتسامته الثخينة الصفرا ملت وشه.
“أهلاً بالمطودة,” قالها وهو بيشاور لي على الكرسي اللي قدامه. “كويس إنك جيتي في معادك. بحسبك هتعدي اليوم كله بتعيطي على الأطلال.”
المحامي بتاعه، أستاذ مجدي، كان راجل خمسيني بلحية خفيفة ونظارة نظر نازلة على طرف مناخيره، حط قدامي فايل أزرق فيه كام ورقة.
“الموضوع بسيط يا مدام مريم,” قال مجدي بصوت تحسه طالع من تحت الأرض. “الأستاذ حازم عايز ينهي العلاقة الزوجية بالتراضي، ومن غير شوشرة في المحاكم. أنتِ هتتنازلي عن كل حقوقك الشرعية، مؤخر ونفقة ومتعة وشبكة، وفي المقابل هو مش هيطالبك بأي مبالغ من المصاريف اللي اتصرفت خلال الست سنين اللي فاتوا، وكمان هيديكي مهلة أسبوع تلمي باقي حاجتك من الشقة.”
حازم مال بظهره على الكرسي وأخد بق من المية. “شفتي بقى إني أرحم منك؟ طالع معاكِ راجل برضه.”
بصيت للورق بثبات، وعقلي كان شغال زي الساعة. في وسط أوراق التنازل، كان فيه ورقة مخفية بين السطور، صيغها محامي طارق بعبقرية، مسمينها “إقرار بالذمة المالية والتصفية الجانبية”. الورقة دي ظاهرياً بتقول إن حازم بيشيل أي ديون قديمة عني، بس ضمنياً وفي الشروط الملحقة، كان فيه بند بيجبره يقر بإن كل أصوله وممتلكاته الحالية والمسجلة باسمه أو باسم من ينوب عنه (زي نورهان) هي الضامن الأول والوحيد لأي التزامات مالية أو قروض اتسحبت خلال السنة الأخيرة.
“يعني أفهم من كده,” قلت وأنا بقلب الورق بالراحة، “إنك بتاخد مني الشقة والفلوس، وعايزني أمضي إني سامحتك في حق ربنا؟”
حازم ضحك بصوت مستفز. “يا مريم أفهمي بقى! أنتِ معندكيش حاجة تخسريها خلاص. الفلوس في البنك باسم نورهان، والعقار اتنقل، والقرض أطرد في حسابتنا. لو دخلتي محاكم هتقعدي عشر سنين تلفي ورا سراب وفي الآخر مش هتنالي مليم. امضي واخرجي بأقل الخسائر.. ده لو فاضل فيكِ عقل.”
مسكت القلم اللي كان محطوط على المكتب. حازم ومحاميه كانوا بيتبادلوا نظرات النصر، فاكرين إني برتعب من الفقر أو إني انكسرت.
مضيت على كل الأوراق، بما فيها البند الملغوم.
أول ما حطيت القلم، حازم شد الورق بلهفة وكأنه مسك وثيقة ملكية الكون. “أيوه كده! عقلتي. يالا بقى، يا ريت منشوفش وشك تاني، ونورهان هتستلم الشقة بكرة.”
قمت وقفت، وعدلت جاكيت بدلتي، وبصلته في عينيه بابتسامة هادية جداً: “ربنا يهنيك يا حازم.. أنت ونورهان والحاج حسين والحاجة ثريا وشيماء أختك.. أصل الحساب لما بيترد، بيبقى كاش ومجمع.”
سيبته وخرجت قبل ما يستوعب جملتي.
بعد ساعتين، كنت قاعد في مكتب طارق السليماني في التجمع الخامس. مكتب فخم يطل على جنينة واسعة، الشاشات على الحيطة بتعرض مؤشرات بورصة وأسهم شركات. طارق كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس، وأحمد (جوز شيماء) قاعد جنبه ومعه اللابتوب بتاعه مفتوح.
“كل حاجة تمت زي ما خططنا؟” سأل طارق وهو بيبص لي.
“حازم مضى على إقرار الذمة المالية من غير ما يقرا البنود الفرعية,” قلت وأنا بقعد. “فاكر إنه دبحني وقفل الملف.”
أحمد فتح ملف الإكسيل على شاشته. “أنا راجعت حركة الحسابات اللي حازم ونورهان استخدموها. الفلوس اللي اتسرقت منك (الثلاثة مليون) والـ ٤٠ مليون بتوع شركات أستاذ طارق، اتجمعت كلها في حساب واحد باسم شركة وهمية اسمها ‘القمة للمقاولات’. الشركة دي نورهان مسجلاها باسمها، وحازم هو المفوض بالتعامل.”
طارق ابتسم ابتسامة ثلجية. “والقرض الـ ۱۰ مليون اللي سحبه بضمان الشقة وفيلة أبوه؟”
أحمد كمل: “الـ ۱۰ مليون دخلوا نفس الحساب إمبارح بالليل. حازم فاكر إنه كده عمل ثروة بـ ٥٣ مليون جنيه في أسبوعين، وناوي يهرب جزء منها لبرة مصر وجزء يدخل بيه في صفقة أراضي في العاصمة الإدارية.”
طارق وقف وقرب من الشباك. “هو فاكر كده.. بس هو في الحقيقة جمع كل الأدلة ضد نفسه وعيلته في حساب واحد.”
طلعت الموبايل وفتحت التسجيلات الصونية اللي كنت سجلتها لثريا وحسين لما جم يطردوني من الشقة، والتسجيل اللي اعترف فيه حازم إنه زور إمضتي.
“الأدلة دي مع أوراق البنك وتقارير أحمد المالية تكفي لتدميرهم,” قلت لطارق. “بس أنت قلت لي إن عندك خطة أشد.”
لف طارق وبص لي بنظرة أفعى. “البلات القانونية العادية هتقعد سنتين في النيابة العامة. إحنا مش هنعمل كده. إحنا هنقفل عليهم المصيدة في ليلة واحدة.”
“إزاي؟”
“بكرة بالليل، حازم عامل حفلة خطوبة وتثبيت لجوازه من نورهان في فيلة أبوه في التجمع. عازم فيها رجال أعمال، وأصحابه بتوع الزايد، والـ VIP. عايز يتباهى بفلوسه الجديدة وبمراته الجديدة.”
طارق طلعت من درج مكتبه فايل أحمر وحطه قدامي. “الحفلة دي هتكون مكان إعلان إفلاسهم، ومكان القبض عليهم. محامينا هيقدم بلاغ عاجل للنيابة الأموال العامة وقوة من مباحث الأموال العامة وشرطة التنفيذ هتوصل الحفلة في نص السهرة.. والسبب؟ جريمة غسيل أموال متلبس بيها كل الحاضرين من العيلة.”
في مساء اليوم التالي، كانت فيلة الحاج حسين في التجمع الخامس منورة بالكامل. الأنوار الملونة، المزيكا العالية، بوفيه مفتوح من أغلى الفنادق، والخدم بيلفوا بالصواني.
حازم كان واقف في وسط الصالة ببدلة سموكنج سودا، جنبه نورهان بفستان خطوبة أحمر مجسم يبرز حملها، والحاجة ثريا لابسة دهب يغطي رقبتها وإيديها وهي بتتباهى قدام صاحباتها: “ابني جاب ست البنات! مش اللي كانت عندنا، عقيم ومملة وما بتعرفش تلبس!”
الحاج حسين كان قاعد مع معازيم كبار، بيتكلم عن مشاريعه الجديدة واستثماراته في العقارات.
وفجأة.. المزيكا اتفتحت على صوت سرينة عربيات شرطة برة الفيلة.
الناس بدأت تتهامس. حازم كشر وقال لأبوه: “إيه ده؟ شكل فيه حادثة برة ولا حاجة.”
بس الباب المذهب بتاع الفيلة اتفتح بقوة. دخل منه ظابط بزي رسمي، ووراه أربعة من رجال الشرطة بالزي المدني، ومعاهم مستشار من نيابة الأموال العامة.
وقبل ما حد ينطق، دخلت أنا.. لابسة فستان أسود أنيق جداً، وبجنبي طارق السليماني بكل هيبته، وورانا أحمد ومحامي طارق.
الهدوء ساد المكان كأن حد قطع الصوت.
ثريا شهقت بصوت عالٍ: “مريم؟! إيه اللي جاب الحقيرة دي هنا؟ وانتوا مين ودخلتوا إزاي؟”
حازم اتنطط وجاء ناحيتنا بوش محمر من الغضب: “أنتِ اتجننتي يا مريم؟ جاطعة حفلي وجايبة معاكِ شوية صيع؟ اطلعي برة بكرامتك بدل ما أطلبلك الأمن!”
طارق خطى خطوة واحدة لقدام، ووقف بيني وبين حازم. بصلوا من فوق لتحت وقال بصوت مسموع للكل: “أنا طارق السليماني.. رئيس مجلس إدارة مجموعة السليماني للاستثمار. وأنت يا حازم، مش بس سرقت فلوس مراتي السابقة نورهان، أنت كمان سرقت أصول شركتي وزورت إمضاء مريم مراتي الحالية.”
كلمة “مراتي الحالية” نزلت كالصاعقة على القاعة كلها.
نورهان وشها اصفر، والعصير وقع من إيدها على الفستان الأحمر. “طـ.. طارق؟! أنت بتقول إيه؟”
حازم بص لنورهان بذهول: “طـارق مين؟ مش ده مديرك اللي قلتِ عليه غلبان وما حيلتوش حاجة؟”
طرد الظابط الهدوء وقال ببرود: “أستاذ حازم حسين.. الأستاذة نورهان السيد.. الحاج حسين متولي.. والحاجة ثريا عبد اللطيف. عندنا أمر ضبط وإحضار من نيابة الأموال العامة بتهمة التزوير في أوراق رسمية، واختلاس مبلغ ٥٣ مليون جنيه، وغسيل الأموال، والتآمر الجنائي.”
ثريا صرخت: “تزوير إيه ونصب إيه! أنتوا مش عارفين أنتم بتكلموا مين؟ أعدل لسانك يا جدع أنت!”
الظابط طلع الكلبشات. “يا هانم، ابنك وزوجك رهنوا الفيلة دي وعمارتين والوديعة البنكية بضمان قرض مزور بإمضاء المدام مريم. والبنك قدم بلاغ رسمي بعد ما اكتشفنا إن أوراق التوثيق في الشهر العقاري مزورة بمساعدة أخت الأستاذ حازم، والأموال اتسحبت واتحولت لحساب شركة وهمية.”
الحاج حسين مسك صدره وفجأة بقى مش قادر يتنفس: “إيه؟ رهنتوا الفيلة والعمارتين؟ يا حازم أنت عملت إيه يا ابن الكلب؟!”
حازم بدأ يعرق بغزارة، وبص للمحامي بتاعه اللي كان حاضر الحفلة، بس المحامي رفع إيده وانسحب لورا ببطء كأنه مش يعرفهم.
“مريم..” حازم قرب مني ورجليه بتترعش، “مريم ارجوكي، إحنا كنا متجوزين.. بلاش تعملي فيا كده، اتكلمي معاهم! قولي إن دي تسوية مالية بيننا!”
ابتسمت له ببرود، وقربت منه ووشوشته في ودنه عشان محدش يسمع غيره: “أنا قلتلك إن الحساب بيترد كاش ومجمع.. فاكر لما قلتلي إن الشقة دي هيدخلها ست بجد؟ أديك أنت ونورهان وهدومكم رايحين التخشيبة بجد.”
الظباط بدأوا يكلبشوا حازم ونورهان. نورهان بدأت تصرخ وتصوت: “أنا ماليش دعوة! هو اللي أغراني بالفلوس! هو اللي قال لي نسرق طارق ومريم ونربح القرض!”
حازم زعق فيها: “يا واطية! أنتِ اللي خططتي لكل حاجة وكتبتي الشركة باسمك!”
وبدأوا يضربوا في بعض بشتائم بذيئة قدام كل المعازيم الكبار اللي كانوا واقفين بيصوروا بالموبايلات. ثريا وقعت على الأرض بتصرخ وبتلطم على وشها لما الكلبشات اتقفلت في إيد جوزها الحاج حسين.
في خلال عشر دقائق، كان البيت اتقلب رأساً على عقب. المعازيم جربوا يهربوا، والشرطة اقتادت حازم ونورهان وحسين في عربيات البكس، بينما الضباط حرزوا كل الفيديوهات والمستندات اللي في البيت.
بعد شهرين..
كنت قاعدة في نفس المطعم اللي يطل على النيل، بس المرة دي الجو كان أهدى بكثير.
طارق كان قاعد قدامي بيشرب قهوته.
“المحكمة أصدرت أحكامها إمبارح,” قال طارق وهو بيحط الفايل النهائي. “حازم أخد ٧ سنين سجن مشدد بتهم التزوير وغسيل الأموال والاستيلاء. نورهان أخدت ٥ سنين. والحاج حسين أخد ٣ سنين مع الشغل. والبنك تحفظ على الفيلة والعمارتين لتسديد القرض.”
“وفلوسي؟” سألت.
طارق ابتسم: “الـ ٣ مليون جنيه بتوعك اتستردوا بالكامل ودخلوا حسابك الشخصي صباح النهاردة، بالإضافة للـ ٥ مليون أتعابك الاستشارية معايا.. وكمان الشقة اتسجلت باسمك بالكامل بعد إلغاء التنازل المزور.”
أخدت نفس عميق، وحسيت براحة ما حسيتهاش من سنين.
“شكراً يا طارق.. لولا تدخل خطتك، كان زماني في الشارع.”
طارق حط ورقة ثانية على الترابيزة. “دي وثيقة الطلاق والتنازل عن الاتفاقية اللي بيننا، زي ما اتفقنا بالضبط. كل واحد فينا حقه رجع له، والاتفاق انتهى.”
مسكت القلم وبصيت للورقة. كان ممكن أمضي وأمشي وأبدأ حياة جديدة بـ ٨ مليون جنيه وشقة ملكي.
بس طارق بص لي بذكاء وقال: “بس فيه حاجة واحدة مش مكتوبة في العقد.”
رفعت عيني فيه: “إيه هي؟”
“أنا مسكت شغل كتير وعاملت خبراء مالية كتير في حياتي، بس ما شفتش حد بعقلك وثباتك الانفعالي. شركتي محتاجة مدير تنفيذي للقطاع المالي بكفاءتك.. وشخصياً، أنا مش مستعد أخسر شريكة زيك بالسهولة دي.”
ابتسمت، وسندت القلم على الورقة من غير ما أمضي.
“يعني بتقترح نمد العقد؟”
طارق ضحك بصوت عالٍ لأول مرة من ساعة ما عرفته: “لأ.. المرة دي هنلغي العقود خالص.. ونبدأ بجد.”
بصيت للنيل الشاسع من شباك الدور الأربعين، وشفت الشمس وهي بتشرق على القاهرة. حازم وعيلته كانوا فاكرين إنهم خدوا مني كل حاجة، بس في الحقيقة.. هما أدوني البداية الحقيقية لحياتي.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *