جوزي القاسي

عشرات الأوراق على الأرض.
انحنت سارة تلقائيًا لتجمعها.
لكنها تجمدت مكانها.
كلها كانت إيصالات…
قروض.
بطاقات ائتمان.
وشيكات بدون رصيد.
باسم كريم.
بإجمالي تجاوز مليونًا ومائتي ألف جنيه.
شهقت.
إيه ده؟
حاول كريم خطف الأوراق.
لكن المحامي سبقه.
قرأها بسرعة…
ثم نظر إلى كريم نظرة مختلفة تمامًا.
إنت مخبي كل ده؟
أطرق كريم رأسه.
أما أمه فصرخت فجأة
قولها الحقيقة!
نظر إليها بصدمة.
إنتِ بتعملي إيه؟
قالت وهي تبكي لأول مرة
قولها قبل ما تعرف لوحدها.
سألت سارة بصوت مرتجف
حقيقة إيه؟
ساد الصمت…
ثم قال كريم بصوت خافت
الشقة…
توقف.
وأكمل
كان المفروض تبقى مرهونة من غير ما تعرفي.
شعرت سارة أن الأرض تميد تحت قدميها.
إيه؟!
أخرج المحامي ورقة من بين المستندات.
قرأها…
ثم رفع رأسه ببطء.
واضح إن حد حاول يزور توقيع الدكتورة سارة للحصول على قرض بضمان الشقة.
ساد الصمت.
حتى أم كريم بدت مرعوبة.
قال المحامي بجدية
الموضوع خرج من خلافات أسرية… دي قضية جنائية.
في نفس اللحظة…
رن هاتف كريم.
ظهر على الشاشة اسم غريب
الحاج منصور.
رد وهو يرتجف.
ووضع الهاتف على أذنه.
لكن الصوت كان مرتفعًا لدرجة أن الجميع سمعه.
يا كريم… بكرة آخر معاد. يا الفلوس… يا الشقة.
أغلق الخط وهو يرتعش.
وسقط جالسًا على الأرض.
أما سارة…
فأدركت أن طبق الشوربة الذي أُلقي في الحوض…
لم يكن سوى بداية الكارثة.
لأن الرجل الذي عاش سنتين عالة عليها…
لم يكن يخفي الكسل فقط.
بل كان يخفي شبكة ديون، ومحاولة استيلاء على شقتها، وأشخاصًا أخطر بكثير مما كانت تتخيل
ظل كريم جالسًا على الأرض، والهاتف يرتجف في يده.
لم ينطق أحد.
حتى أمه، التي كانت قبل دقائق تصرخ وتتوعد، أصبحت تحدق في ابنها وكأنها تراه لأول مرة.
قطع المحامي الصمت.
مين الحاج منصور؟
ابتلع كريم ريقه.
راجل… كنت بستلف منه.
كام؟
خفض رأسه.
في الأول خمسين ألف.
ودلوقتي؟
خرج صوته بالكاد مسموعًا.
حوالي مليون ونص.
شهقت سارة.
مليون ونص؟!
هز رأسه.
كل مرة كنت باخد قرض عشان أسدد اللي قبله… والفوايد كانت بتكبر.
قال المحامي بحدة
ولما غرقت في الديون… فكرت تبيع شقة مراتك من غير علمها.
لم يرد.
كان صمته اعترافًا كاملًا.
بعد أقل من عشر دقائق…
رن جرس الباب مرة أخرى.
نظر الجميع نحو الباب.
قال فرد الأمن
فيه ثلاثة برة… بيقولوا إنهم لازم يقابلوا الأستاذ كريم.
فتح الباب بحذر.
دخل رجل ضخم في أواخر الخمسينيات، وخلفه اثنان من رجاله.
ابتسم ابتسامة باردة.
مساء الخير.
ثم نظر مباشرة إلى كريم.
أنا استنيت عليك كتير.
وقف المحامي أمام سارة.
حضرتك مين؟
رد الرجل بهدوء.
أنا منصور.
ساد الصمت.
قال منصور وهو ينظر إلى سارة.
واضح إن حضرتك متعرفيش حاجة.
أجابته بثبات.
اعرف إيه؟
أخرج ملفًا من حقيبته.
ووضعه على الطاولة.
جوزك من ست شهور وعدني إنه هينقل ملكية الشقة باسمه… وبعدها يبيعها ويسدد ديونه.
فتحت سارة الملف.
وجدت نسخة من عقد بيع…
وعليه توقيع يشبه توقيعها.
لكنها لم توقعه يومًا.
نظر المحامي سريعًا إلى الورقة.
ثم ابتسم.
ابتسامة هذه المرة كانت مطمئنة.
الحمد لله.
استغربت سارة.
الحمد لله؟
قال وهو يشير إلى التوقيع.
ده مش توقيعك.
نظر منصور إليه.
يعني؟
يعني حضرتك كمان ضحية.
عقد منصور حاجبيه.
إزاي؟
لأن العقد مزور.
ساد الصمت ثانية.
ثم التفت منصور ببطء نحو كريم.
إنت زورت توقيع مراتك؟
لم يجب.
اقترب منه منصور خطوة.
أنا ممكن أستحمل واحد معندوش فلوس.
خطوة أخرى.
لكن واحد يضحك عليّا…
قبل أن يكمل، تدخل المحامي بحزم.
أي تهديد من هنا ورايح هيبقى في محضر رسمي.
ابتعد منصور وهو يزفر بغضب.
ثم قال
أنا مليش دعوة… أنا هاخد حقي بالقانون.
وأغلق الملف وغادر.
في اليوم التالي…
كانت سارة تجلس داخل قسم الشرطة.
قدمت أصل عقد الملكية.
وإيصالات السداد.
وتقرير خبير الخطوط الذي أثبت أن توقيعها مزور.
وخلال أيام…
تم استدعاء كريم للتحقيق.
واعترف بكل شيء.
اعترف أن أمه كانت تعلم بمحاولة نقل الشقة إليه.
واعترف أنها هي من كانت تضغط عليه باستمرار قائلة
هي طول النهار في الشغل… مش هتعرف.
لكنها عرفت.
في النهاية…
أُحيلت القضية إلى المحكمة.
وصدر الحكم بإدانة كريم في جريمة تزوير واستعمال محرر مزور.
أما أمه…
فوجدت نفسها مضطرة لبيع شقتها الصغيرة لتسدد أتعاب المحامين بعد أن تخلى عنها كل من كانت تتباهى بهم.
بعد ثمانية أشهر…
خرجت سارة من غرفة العمليات.
نجحت عملية قلب والدتها.
ولأول مرة منذ سنوات…
دخلت بيتها وهي تعلم أن لا أحد سيصرخ في وجهها.
ولا أحد سيمنعها من الطعام.
ولا أحد سيخبرها أن تعبها واجب.
اشترت كنبة جديدة.
وغيرت لون الحوائط.
وتخلصت من كل شيء يذكرها بالماضي.
وفي إحدى الأمسيات…
كانت تجلس في الشرفة تحتسي طبقًا من الشوربة الساخنة.
رن هاتفها.
كانت رسالة من رقم غير مسجل.
أنا كريم… عارف إنك مش هتسامحيني… لكن آسف.
نظرت إلى الرسالة لثوانٍ.
ثم حذفتها.
وأغلقت الهاتف.
ورفعت ملعقة الشوربة بابتسامة هادئة.
وقالت لنفسها
أغرب حاجة… إن الطبق اللي رماه في الحوض يومها، كان فاكر إنه بيكسرني.
ابتسمت وهي تنظر إلى شقتها التي دفعت ثمنها من تعبها وسنين عمرها.
لكن الحقيقة… هو اللي رمى آخر فرصة كانت ممكن تنقذه.
تمت.




