اربع تؤام

منطقة متفرعة من الهرم، شقة قريبة من الشغل القديم وما حدش من عيلتي بيدخلها من سنين.
وصلنا هناك بعد نص ساعة. الشقة كانت غباء من التراب، بس كانت دافية. منى قعدت الولاد على الكنبة القديمة وغطتهم ببطانية صوف قديمة كانت في الدولاب. الأربعة ناموا في ثواني من التعب والإرهاق، كأنهم كانوا ماشيين في رحلة هروب طويلة لا تنتهي.
قعدت قدامها على كرسي خشب، وكنت لسه ماسك موبايلي اللي بيترعش من كثرة رسايل أمي ومكالماتها المتواصلة.
منى اتكلمي. فهميني إيه اللي حصل من ست سنين؟ ليه صحيت في يوم لقيتك مش في البيت، وأمي بتقولي إنك قبضتِ الشيك وخلعتِ أول ما حسيتِ إن شركتنا بتعدي بأزمة؟
منى رفعت عينيها ليا، ونظرة الخۏف اتحولت لڠضب أسود قديم.
قبضت الشيك؟! هي قالت لك كده؟
قالت لي إنك سابتني بإرادتك، وإنك كنتِ طماعة وعايزة حد يضمن لك مستقبلك، وإنك ركبتِ القطر وسافرتي إسكندرية ومن يومها انقطعت أخبارك.
هزت راسها بابتسامة سخرية مرة، ودمعة نزلت على خدها من غير ما تحس بيها.
أنا ماخدتش مليم واحد يا كريم. يوم ما صحيت في الشقة اللي كنت مؤجرها لنا في المعادي، لقيت نفسي محاطة برجال أمن تبع والدتك. صحوني الصبح بدري، وكنت في الشهر الخامس من الحمل كنت حامل في توأم رباعي، حالة نادرة الدكاترة قالوا إنها معجزة.
توأم… رباعي؟! منى، إنتي بتقولي إيه؟
بقول لك الحقيقة اللي أمك دفنتها وهي حية! أمك دخلت عليّ الأوضة ومعاها اثنين من محامين العيلة. قالت لي بالحرف الواحد ابن فؤاد الراوي ما يتجوزش وحدة من عيلة مطحونة، ولا يخلف عيال من مستوى أقل مننا. عيالك دول لو طلعوا للنور هيشوهوا اسم العيلة، وخصوصًا إنك مالكيش أصل.
حسيت إن روحي بتتسحب مني.
أمي أمي عملت كده؟!
وأكتر من كده! خيروني بين حاجتين يا إما أمضي على أوراق إقرار تنازل وأسفر برا مصر من غير ما أملك حتى هدومي، يا إما العيال دول يختفوا قبل ما يتولَدوا، أو يتربوا في ملاجئ ومؤسسات مجهولة من غير ما يعرفوا مين أبوهم ولا أمهم. وأمك هددتني إن لو فكرت أقرب منك أو أنطق بكلمة واحدة، هتدخلك السچن پتهمة ملفقة، أو تخلص مني ومن أهلي اللي كانوا لسه عايشين وقتها.
الكلمات كانت بتخبط في دماغي زي المسامير.
طب والولاد؟ إزاي فضلوا عايشين ومعاكِ؟
الدكاترة اللي ولدوني كانوا شرفاء وعطفوا عليا. ساعدوني أهرب في اللحظة الأخيرة قبل ما رجال أمك ينفذوا الټهديد. فضلت مستخبية ست سنين، أتنقل من مكان لمكان، بشتغل شغلتين وتلاتة عشان أكلهم وأديهم تعليم بسيط، ومن ساعة ما المطعم اللي كنت شغال فيه طردني النهاردة، ما لقيتش مكان أنزل فيه لحد ما جيت بالصدفة للمطعم اللي كنت بتعمل فيه حفلة خطوبتك!
الفصل الثالث رسالة الأم ومواجهة الحقيقة
الموبايلي في إيدي كان لسه بينور ويهتز. بصيت للشاشة لقيت اسم أمي بينور الوالدة.
فتحت الخط وحطيت الموبايل على الإسبيكر قدام منى، عشان تسمع بنفسها الجبروت اللي عشت في ظله سنين.
ألو يا كريم! إنت فين يا ابني؟ الناس كلها مستنية في القاعة، وداليا مهارة من العياط وأبوها بيمدد في الكلام! إنت اټجننت؟ إيه الكلام الفارغ اللي بعتّه لمساعدتك ده؟ سامعني يا كريم؟!
رديت بصوت مېت، كأني بكلم شبح مش أمي
أنا في شقة خالو في الهرم يا أمي.
الصوت الناحية التانية سكت تمامًا لثواني طويلة. كأن الهوا انقطع من الأستوديو.
إنت قلت إيه؟ الهرم؟ إيه اللي

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *