عندما يحب القلب ٢
استمعت نسرين بصمت لكل التفاصيل: قصة سمر، وفاة والدها، رعاية سامر لها، ثم القرار المفاجئ بالزواج السري. كانت تسمع بقلب الأم، لا بغضب الزوج الذي خرج للتو من الغرفة.
“سامر، أنا مش هكدب عليك، الموضوع صدمني. مكنتش متخيلة إن ابني يقدر يخبي عليا حاجة.”
قالتها بحزن حقيقي أكثر من الغضب.
“بس أنا عارفة إن أبني راجل عاقل، ومش هتاخد قرار زي ده من غير سبب حقيقي. عايزة أقابلها.”
رفع سامر رأسه بأمل مفاجئ: “بجد يا أمي؟”
“أيوه. عايزة أشوف بعنيا مين البنت اللي خلت ابني يخاطر بكل حاجة عشانها.”
—
في اليوم التالي، وبترتيب حذر من سامر، جلست نسرين مع سمر في مقهى هادئ بعيدًا عن أعين المستشفى. كانت سمر متوترة بشدة، ترتدي أبسط ملابسها احترامًا للموقف، ويداها ترتجفان وهي تمسك بكوب الشاي أمامها.
راقبتها نسرين بصمت لدقائق، بعين خبيرة تحاول قراءة الفتاة التي أمامها بعيدًا عن أي انطباعات مسبقة.
“سمر… صح؟”
“أيوه نسرين هانم.” أجابت بصوت مرتجف ثم أضافت.
“أنا آسفة جدًا على الطريقة اللي اتعرفتوا بيها على الموضوع. مكنش المفروض يحصل كده.”
“وإزاي كان المفروض يحصل؟” سألتها نسرين بهدوء لا يحمل عدائية، لكنه لا يخلو من الجدية.
فكرت سمر قليلاً قبل أن تجيب بصدق: “الصراحة؟ مكنش المفروض يحصل أصلاً بالسرعة دي. كنا لازم ننتظر، نجهز نفسينا صح، ونيجي لكم بطريقة محترمة. بس بابا اتوفى، وأنا لقيت نفسي لوحدي في الدنيا كلها، وسامر… سامر كان أكتر من حد وقف جنبي، كان سندي الوحيد في أصعب لحظة عدت بيها.”
“وليه اتجوزتيه بالذات؟ مش كفاية إنه يكون صاحبك أو سندك، ليه الجواز بالذات؟”
نظرت سمر إليها مباشرة، عيناها تحملان صدقًا لا يمكن تصنعه: “لأني بحبه يا حاجة نسرين. مش عشان اسمه، ولا عشان فلوسه، أنا أصلاً معنديش دعوة بالحاجات دي. بحبه لأنه إنسان طيب، بيحترمني، وبيشوفني كإنسانة قبل ما يشوفني كممرضة أو كبنت من طبقة تانية. وهو كان اللي طلب الجواز، مش أنا.”
صمتت نسرين لحظات طويلة، تراقب صدق الفتاة أمامها، صدق لا يمكن إنكاره مهما حاولت أن تكون موضوعية. لكنها أيضًا كانت تعرف زوجها جيدًا، وتعرف حجم المعركة القادمة.
“سمر، أنا مش هكدب عليكِ، إنتِ بنت طيبة وواضح إنك بتحبي ابني بصدق. بس المشكلة مش فيكِ بس، المشكلة في مجتمع كامل بيحكم بالمظاهر، وفي زوجي اللي عمره ما هيقبل بسهولة إن ابنه الوحيد يتجوز من غير ‘بنت من مكانة اجتماعية مناسبة’ في نظره.”
تنهدت بثقل واستكملت كلامها.
“أنا هقف جنبكم قد ما أقدر، بس مش هقدر أوعدك إن الطريق هيكون سهل.”



