ضرتي بقلم اماني السيد ٢

مرام ولدت العيل التالت، وبقت عايشة في الساقية اللي كنت طالعة منها، بس من غير الصبر ولا القوة اللي كانت عندي. البيت بقى عبارة عن خناق يومي، الصريخ ما بيبطلش، والولاد التلاتة محتاجين مصاريف وخدمة فوق طاقتها. سعد، اللي كان فاكر إن الجواز الثاني هيريحه ويجيبله النسل والراحة، بقى يرجع من شغله يقعد على القهوة بالساعات عشان يهرب من دوشة البيت والعيال ومطالبات مرام اللي ما بتخلصش.
في يوم، وبعيد عن كل ترتيب، كنت نازلة أشتري طلبات من السوق قريب من منطقتهم القديمة، ولقيت سعد وشاً لوش قدامي.
كان شكله مجهد، الدقن طالعة وهدومه مش مكوية زي زمان، وعينيه فيها كمية إرهاق وقهر مش طبيعية. أول ما شافني، اتسمر مكانه وبصلي بذهول.. شاف قدامه أميرة ثانية خالص، ست واثقة من نفسها، لابسة ونظيفة ووشها منور ومبتسمة.
قرب مني بخطوات بطيئة، ونطق بصوت واطي ومكسور عكس القسوة اللي كانت فيه زمان:
— “أميرة؟.. إزيك؟”
رديت عليه ببرود وثبات، وأنا حاطة إيدي في شنطتي وبصالي بثبات:
— “الحمد لله يا سعد.. بخير، وفي أحسن حال.”
بص للأرض ورجع بصلي بنبرة كلها ندامة ورجاء:
— “أنا أكلتني الحسرة يا أميرة..
البيت من بعدك بقى خراب، مرام ما بتعملش حاجة غير إنها بتطلب وتصرخ، والعيال مبهدلين والشقة بقت زريبة.. أنا عرفت قدرك وقيمتك متأخر أوي، وحقك عليّ.. لو ترجعي، قسمًا بالله لأكتب لك الشقة باسمك وأحطك فوق راسي ومرام دي مش هخليها تفتح بقها بكلمة.”
ابتسمت ابتسامة هادية، ابتسامة حد اتعافى تماماً من الوجع، وقربت منه خطوة واحدة وقلتله بصوت حاسم ينهي كل حاجة:
— “تكتب الشقة باسمي؟ الشقة دي والبيت ده كله ما يسواش عندي نقطة دموع واحدة نزلت مني وأنا بغسل الأكل أو بنضف تحت رجليكم..
أنت ما عرفتش قيمتي يا سعد، أنت بس تعبت من الخدمة والمصاريف ولقتني كنت الخدامة والطباخه ببلاش اللي شايلة عنك كل حاجة. المية اللي اندلقت النهار ده كانت خط فاصل بين عمري القديم وعمري الجديد.. اشبع بانتصارك وبمرام وعيالك، وأنا شبعت بحريتي وكرامتي.”
لفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابته من غير ما التفت ورايا ولا مرة، وسبته واقف في وسط الشارع مكسور، عاجز إنه يرجع الزمن، وعارف إن الجرح اللي سابه في قلبي ما بقاش يوجعني.. بل بقى السلم اللي طلعت بيه لحياتي الجديدة




