مر شهر كامل.. تلاتين يوم عدوا عليا كأنهم تلاتين سنة من العذاب والحيرة اللي بتاكل في نفوخي أكل.الأوضة اللي فوق السطوح فضلت مقفولة، وتراب الشارع غطى كل حاجة فيها، ومبقاش لشيرين أي حس ولا أثر في المنطقة كلها. أنا أحمد.. اللي كنت شايف نفسي مسيطر ومالك كل خيوط اللعبة، اتحولت لإنسان تاني تماماً؛ بقيت زي المجنون، ألف بعربيتي بالساعات في الشوارع، عيني مابتنزلش من على وشوش الناس في المحطات والأسواق، وبقيت أدخل المستشفيات الحكومية والأقسام أدور في الدفاتر وأسأل بنهدة وريقي ناشف: "في حالة دخلت باسم شيرين؟ في واحدة جالها إغماء أو دــ,,ـــــادثة بالوصف ده؟".النوم طار من عيني، ومبقاش في بالي غير سؤال واحد هيمــ,,ـــــوتني: شيرين راحت فين؟ عايشة ولا ميتة؟ ذلها وانكسارها اللي كنت بتغذى عليهم مبقاش ليهم وجود، وحسيت فجأة إني خسرت الأرض اللي كنت واقف عليها بتعالي وغرور.وفي وسط الجنون ده، مراتي الجديدة اتطفت بالنسبة لي تماماً. أهملتها لدرجة إني مبقتش طايق أسمع صوتها ولا أشوف وشها في الشقة؛ هي في الأصل مكنتش تفرق معايا ولا حبيتها في يوم، كانت مجرد كارت رخيص ولعبة استعملتها عشان أحــ,,ـــــرق بيها دم شيرين وأكسر عينها وكبريائها. لما البنزين اللي كان مشغل اللعبة دي خلص باختفاء شيرين، بقيت شايف مراتي الجديدة دي حمل تقيل على قلبي، طلباتها ودلعها بقوا يخنقوني ويستفزوني، وكل ما كانت تقرب مني أو تطلب كلمة حلوة أو هدية كنت بصدها ببرود وقسوة وأسيب الشقة وأنزل في نص الليل ألف في الشوارع زي التايه أدور على خيال شيرين. . بقيت أنا أحمد المحبوس في جحيمي وعزي المزيف، وهي اللي غيابها كواني بنــ,,ـــــار أضعاف النــ,,ـــــار اللي كنت بحاول أحــ,,ـــــرقها بيها.وفي ليلة، وأنا قاعد في البلكونة اللي كانت زمان مسرح استعراضي، ماسك فنجان القهوة اللي برد من كتر السرحان، عيني كانت متبتة على باب عمارة السطوح كالعادة، مستني معجزة أو حتى خيال يلمح من بعيد.فجأة، وقفت عربية سودا فخمة جداً تحت العمارة، نزل منها شاب لابس بدلة شيك وفتح الباب اللي ورا بهيبة.. ونزلت شيرين.رجليا اتسمرت في الأرض وفنجان القهوة وقع من إيدي اتدشمل على البلاط ومحستش بيه.شيرين مكنتش البنت المكسورة اللي رميتها في الشارع. . كانت لابسة فستان راقي جداً محتشم وأنيق، وشها اللي كان باهت ومطفي بقى ينور بجمال طبيعي وراحة بال عمري ما شفتها عليها طول سنين جوازنا، خطوتها على الأرض واثقة وثابتة، رافعة راسها للسما ومفيش في عيونها ذرة خوف أو انكسار.نزلت معاها ست كبيرة شكلها هانم من بتوع العائلات العريقة، كانت ماسكة إيد شيرين بحنية وبتبتسملها كأنها بنتها. وقفوا دقيقة يتكلموا، وبعدها طلع البواب ومعاه راجل تاني جابوا الشنطة الصغيرة والكرتونة اللي كانت شيرين سايباهم في أوضة السطوح، وحطوهم في شنطة العربية. أول ما شفتها بتمشي في اتجاه باب العربية، عقلي طار تماماً.. كل كبريائي وغروري اتبخروا في لحظة، ومحستش بنفسي غير وأنا بفتح باب الشقة وبرزعوا ورايا وبنزل السلم جري ثلاث درجات في خطوة واحدة كالمجنون.خرجت من مدخل العمارة بنهج وريقي ناشف، ووقفت قدامها فجأة قبل ما تفتح باب العربية، قطعت عليها الطريق وأنا باصص في وشها بصدمة وذهول مش قادر أداريهم.الست الكبيرة والشاب اللي معاها بصوا باستغراب واستنكار، لكن أنا مكنتش شايف حد غيرها.. قربت منها خطوة وصوتي بيترج بالغيظ والحيرة: "شيرين!.. كنتي فين الشهر ده كله؟ ومين دول؟ والعربية دي بتاعة مين ورايحة فين بالظبط؟".كنت متوقع تترعب، تتهته، أو حتى تبص في الأرض زي ما كانت متعودة تعمل معايا.. بس اللي حصل جمد الدم في عروقي.شيرين بصتلي ببرود وثبات عمري ما شفتهم في عينها قبل كده، مفيهاش أي ملمح من ملامح الخوف أو الانكسار، وقالت بصوت هادي ورزين يرن في الشارع كله: "أظن ملكش أي صفة تسألني رايحة فين ولا جاية منين.. علاقتي بيك انتهت يوم ما طلقتني ورميتني للشارع يا أحمد، وسّع من طريقي عشان مأخرش الناس المحترمة اللي واقفين معايا".الكلام نزل عليا زي الكرباج.. جيت أمد إيدي وأمسك دراعها بعصبية وأقولها: "أنا مبسبش حاجة تخصني تمشي كده من غير ما أفهم! "، وقبل ما صوابعي تلمس قماش فستانها، لقيت الشاب اللي معاها بيتدخل بحزم وقوة ويزق إيدي بعيد وهو بيقول بنبرة تحذير صارمة: "إيدك متتمدش عليها يا أستاذ، ولو فاكرها ملهاش حد يسأل عنها تبقى غلطان.. شيرين هانم دلوقتي في حمايتنا، وأي حركة زيادة منك هتعرف قيمتها كويس الست الكبيرة حطت إيدها على كتف شيرين بكل حنية وقالتلها: "يلا يا بنتي، بلاش نقف نضيع وقتنا مع ناس متستاهلش".ركبت شيرين العربية بهدوء وهي باصة قدامها ومفكرتش حتى ترميلي نظرة تانية، وقفلوا الباب وتحركت العربية وسابتني واقف في نص الشارع. . مذهول، مكسور، ومهان قدام عيون أهل الحتة كلهم، بعد ما كنت فاكر إني أنا اللي كاسر عينها للأبد.وقفت في نص الشارع والتراب بيعفر على وشي، والناس بتبص عليا وبتتهامس.. أحمد الباشا اللي كان ماشي يتبغدد ومفيش حد مالي عينه، بقى أضحوكة ومتهزق قدام الحتة كلها.طلعت شقتي ورزعت الباب، النــ,,ـــــار اللي في صدـ,,ـــري كانت هتحــ,,ـــــرقني.. مراتي الجديدة أول ما شافتني متبهدل كده جاية بدلعها الماصخ تسألني: "مالك يا أحمد في إيه؟ "، زعقت فيها بصوت زلزل البيت وقولتلها تغور من وشي ومسمعش صوتها، حسيت بقرف منها ومن نفسي ومن كل خطة غبية عملتها.من الليلة دي، اتقلب السحر على الساحر.. وبقيت أنا السجين، وأنا اللي بزحف وأجري ورا خيالها.دخلت الاوضه وجبت ورقه وكتبت رقم العربيه ومن خلال معارفى عرفت اوصل للعنوان بتاعهاعرفت عنوان الفيلا، وبقيت أروح أركن عربيتي بعيد بالساعات تحت الشمس وفي عز البرد، زي الشحاتين.. أستنى بس تلمح عيني طيفها وهي خارجة. أشوفها راكبة مع الهانم، لابسة أحسن لبس، وشها منور، بتضحك من قلبها، والسواق بيفتحلها الباب باحترام. . كل ما أشوف عزها ده، سكــ,,ـــــينة تتقطع في قلبي.بقيت أبعتلها رسايل من أرقام غريبة، أترجاها: "شيرين ردي عليا.. أنا ندمان.. أنا مستعد أطلق مراتي وأكتبلك الشقة باسمك وكل اللي تطلبيه.. بس اديني فرصة واحدة أسمع صوتك".بس ولا رد، ولا حتى رنة، كل رقم أبعت منه يتعملي عليه بلوك في ثانية.فضلت مستني اللحظة اللي تخرج فيها لوحدها من غير حراسة ولا عربية بسواق.. وفي يوم شفتها طالعة من بوابة الفيلا رايحة لسوبر ماركت كبير على أول الشارع الراقي اللي هي ساكنة فيه، ماشية بخطوات هادية ومفيش حد معاها. نزلت من عربيتي زي الملسوع، وجريت وراها لحد ما دخلت شارع جانبي هادي، وقطعت عليها الطريق ووقفت قدامها فجأة وأنا بنهج وشكلي متبهدل، عيوني غايرة من قلة النوم وشعري منكوش وهدومي مبهدلة بعد ما كنت مبنزلش إلا على سنجة عشرة.شيرين اتخضت في الأول، بس في ثانية ملامح وشها رجعت لنفس البرود والجمود اللي بي.ني. جيت أمد إيدي برجاء، ورجعت خطوة لورا وهي بتبصلي باشمئزاز ورافعة حاجبها. بلعت ريقي بصعوبة وصوتي كان بيترج بالغيظ والحسرة وعيني تايهة في تفاصيلها: "شيرين.. فهميني بس وارحميني من النــ,,ـــــار اللي بتاكل في نفوخي.. وصلتي لده كله إزاي؟ الهدوم دي، الفيلا، العربيات، والخدم اللي بيجروا وراكي.. إزاي الست اللي رميتها فوق السطوح وملقتش تمن شريط مسكن، تطلع فجأة وتبقى عايشة في العز ده كله في شهر واحد؟ عملتي إيه ومين دول؟!".بصتلي بنظرة كلها ثقة وسخرية، وابتسمت ابتسامة هادية حــ,,ـــــرقت دمي، وقالت بنبرة تقطع زي السيف: "عملت إني وكلت أمري لربنا يا أحمد.. الليلة اللي قفلت فيها بابك في وشي ورميتلي منديل وقوتك عامياك وفاكر إن رزقي في إيدك، وقعت مغمى عليا من السخونية في مدخل المستشفى الحكومى