ليلة فرحي

كله عليه.
المية الوسخة والغسيل اتكبوا على كريم من فوق لتحت.
وقف مكانه مشلول من الصدمة.
وأنا بصيت له في عينه وقلت بهدوء
دي آخر مرة تمد إيدك عليّا.
مسكت شنطتي.
خدت اللابتوب بتاعي.
وخرجت من الأوضة.
كريم جري ورايا لحد باب الشقة.
إنتِ اللي خسرانة! امشي!
وبصوت أعلى قال
روحي شوفي هتعيشي إزاي من غيري! أسبوع واحد وهترجعيلي تترجيني!
وقفت على السلم، وبصيت له نظرة أخيرة.
وما رديتش.
نزلت للشارع وطلبت عربية.
وأنا راكبة، سمعت صوته من فوق وهو بيزعق
وبعدين راجعة على فين؟ إنتِ أصلاً مش معاكي فلوس تعيشي بيها!
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأني لأول مرة من ساعة ما دخلت العيلة دي
كنت عارفة بالضبط أنا رايحة فين.
العربية اتحركت ناحية شقتي الحقيقية في التجمع الخامس.
فتحت اللابتوب، ودخلت على ملف كنت متابعاه من فترة.
شركة كريم الناشئة، نوفا تك، كانت بقالها ست شهور بتحاول بكل الطرق تحصل على استثمار بقيمة 120 مليون جنيه.
وكانت الصفقة أخيرًا وصلت لمرحلة الموافقة النهائية.
والصندوق الاستثماري اللي كان على وشك يحوّل لهم المبلغ
كان صندوقي أنا.
قعدت أبص على الشاشة وأنا ساكتة.
كريم كان فاكر إنه ضرب مراته الغلبانة وطردها من بيته.
لكن الحقيقة؟
هو ماكانش عارف إنه في الليلة دي خسر مراته
وخسر الشخص الوحيد اللي كان قادر ينقذ شركته من الانهيار.
والأسوأ من كده؟
إنه لسه مايعرفش أنا مين بجد.
وماكانش عنده أي فكرة إن اللي حصل في ليلة فرحنا كان مجرد بداية.
وصلت شقتي الحقيقية قبل الفجر بدقائق.
قفلت الباب ورايا، وحطيت شنطتي على الأرض، وبصيت في المراية.
أثر الضربة كان لسه واضح على وشي.
لمست خدي بإيدي، لكن المرة دي ماحسيتش بالضعف.
حسيت بحاجة تانية
الغضب.
فتحت اللابتوب، وسجلت دخولي على النظام الخاص بالصندوق الاستثماري.
ظهر قدامي ملف نوفا تك.
ضغطت على آخر مستند في الصفقة.
كان فيه زر واحد بس لسه مستني موافقتي
اعتماد التمويل 120000000 جنيه.
حطيت إيدي على الماوس.
ثواني
وبعدين قفلت الملف من غير ما أضغط.
مش دلوقتي.
لأني فجأة افتكرت حاجة.
قبل الجواز بأسبوعين، كريم كان قالي إن شركته داخلة على أكبر صفقة في تاريخها.
وقتها سألته
ولو الصفقة فشلت؟
ضحك وقال
مستحيل تفشل أنا عامل حسابي على كل حاجة.
لكن واضح إنه ماكانش عامل حسابه على حاجة واحدة
إن المستثمر اللي هيقرر مصير شركته هو مراته.
في الصبح، صحيت على عشرات المكالمات.
كلها من رقم كريم.
ما رديتش.
بعدها وصلتني رسالة
سارة، ارجعي البيت ونتفاهم. اللي حصل امبارح مش هيكبر للدرجة دي.
ضحكت بسخرية.
وبعدها وصلت رسالة تانية
أمي متضايقة منك، بس أنا أقدر أصلح الموضوع.
ثم رسالة ثالثة
لو رجعتي النهارده، هنعتبر اللي حصل سوء تفاهم.
مسحت الرسائل.
لكن بعدها بدقائق، وصلني إيميل من المدير المالي لشركتي
أستاذة سارة، محتاجين تأكيدك بخصوص اجتماع نوفا تك اليوم. فريقهم بالكامل هيحضر، وكريم المنشاوي بنفسه هيكون موجود.
ابتسمت.
وكتبت له
أكد الاجتماع.
ثم أضفت جملة واحدة
لكن محدش يبلغهم إن أنا صاحبة القرار.
في نفس الوقت
كان كريم داخل مقر شركته، وسط فريقه، ووشه متوتر.
المدير المالي قرب منه وقال
كريم، في خبر كويس وخبر مش كويس.
كريم سأله
قول الكويس الأول.
المستثمر وافق مبدئيًا على التمويل.
تنفس كريم براحة.
الحمد لله.
المدير سكت لحظة، وبعدين قال
بس طلبوا اجتماع نهائي مع رئيسة مجلس إدارة الصندوق شخصيًا.
كريم عقد حاجبيه.
مين هي؟
المدير هز كتفه
محدش شافها قبل كده.
كريم ابتسم بثقة وقال
بسيطة أقنعها.
ثم أضاف
بعد الاجتماع ده، الشركة هتتغير حياتها.
هو ماكانش يعرف
إن الاجتماع اللي مستنيه بفارغ الصبر
هو نفس الاجتماع اللي مراته هي اللي هتدخل عليه.
والأغرب؟
إن كريم كان لسه فاكر إن سارة خرجت من حياته نهائيًا.
لكن في نفس اللحظة، كنت أنا واقفة قدام المرآة، بلبس بدلة رسمية، وبقفل أزرار الجاكت.
بصيت لنفسي وقلت
النهارده مش هروح عشان أنتقم منه
سكت لحظة.
هروح عشان يعرف مين الست اللي ضربها وطردها من بيته.
وبمجرد ما فتحت باب المكتب
كان فريق الحراسة مستنيني.
والسكرتيرة قالت
العربية جاهزة يا أستاذة سارة.
ركبت العربية.
وقبل ما الباب يتقفل، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل متوتر
مدام سارة لازم تعرفي حاجة قبل الاجتماع.
سألته
إيه؟
قال
راجعنا حسابات شركة كريم آخر مرة
وسكت.
ولقينا تحويلات كبيرة خرجت من الشركة قبل موعد التمويل بأيام.
سألته بحدة
راحت فين؟
قال
دي المشكلة
التحويلات كلها راحت لشركة مرتبطة باسم من عيلة المنشاوي.
اتجمدت مكاني.
اسم الشركة إيه؟
قال الاسم.
وأنا أول ما سمعته
عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من إهانة ليلة فرحي.
لأن الاسم ده
أنا شوفته قبل كده في ملف تاني.
ملف كنت فاكرة إنه ملوش أي علاقة بكريم.
لكن دلوقتي
بدأت الخيوط كلها تتجمع قدامي فضلت ساكتة ثواني، وأنا ماسكة الموبايل بإيدي.
إنت متأكد من الاسم؟
صوت المدير المالي جالي متوتر
متأكد يا أستاذة سارة. وراجعت المستندات بنفسي.
قفلت المكالمة.
فتحت اللابتوب بسرعة، ودخلت على قاعدة البيانات الخاصة بالصندوق.
كتبت اسم الشركة اللي قاله.
ظهرت قدامي عشرات الملفات.
لكن ملف واحد شد انتباهي.
شركة المنشاوي للتوريدات.
فتحت الملف.
وفجأة، لقيت اسمًا مألوفًا جدًا.
حسام المنشاوي.
والد كريم.
رجعت في الكرسي ببطء.
يعني الفلوس اللي كريم كان بيحاول يقنعني إن شركته محتاجاها عشان تتوسع
جزء منها كان بيتحرك أصلًا ناحية شركة والده؟
لكن ليه؟
وقبل ما ألحق أكمل، وصلني إشعار جديد.
تم تعديل مستند من ملف نوفا تك منذ 17 دقيقة.
فتحت سجل التعديلات.
آخر شخص دخل على الملف كان
كريم المنشاوي.
ابتسمت بسخرية.
واضح إنك مستعجل يا كريم.
وصلنا مقر الشركة.
أول ما نزلت من العربية، فريق الاستقبال وقف باحترام.
المدير التنفيذي خرج بنفسه يستقبلني.
صباح الخير يا أستاذة سارة.
دخلنا المبنى.
وفي اللحظة نفسها، كان كريم واقف في قاعة الاجتماعات، لابس بدلته، وبيتكلم بثقة قدام فريقه.
أول ما المستثمر يدخل، محدش يتكلم غيري.
المدير المالي سأله
ولو سألت عن التفاصيل؟
أنا أجاوب.
وبعدين ابتسم
دي فرصتنا الأخيرة.
الباب اتفتح.
كل الموجودين وقفوا.
دخلت القاعة بهدوء.
كريم كان واقف وظهره للباب.
قال من غير ما يلتفت
أهلًا بحضرتك، كنا منتظرين الاجتماع ده من فترة طويلة.
حطيت الملف على الطاولة.
وأنا كمان.
صوته توقف.
لأنه عرف صوتي.
ببطء شديد
لف وشه.
وعينيه اتسعت.
سارة؟!
ولا حد في القاعة فهم إيه اللي حصل.
كريم بص للمدير التنفيذي، وبعدين رجع بص لي.
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
قعدت على الكرسي في صدر الطاولة.
الاجتماع اللي كنت مستنيه.
سكت.
وبعدين قلت
أنا صاحبة الصندوق اللي هيقرر إذا كانت شركتك هتاخد ال مليون جنيه ولا لأ.
وشه شحب.
المدير المالي للشركة قرب منه وهمس
إنت تعرفها؟
كريم ما ردش.
كان لسه بيبصلي وكأنه شايفني لأول مرة.
قلت بهدوء
اتفضل يا أستاذ كريم اقعد.
قعد.
إيده كانت بتترعش.
فتحت أول ملف.
قبل ما نتكلم عن التمويل، عندي شوية أسئلة.
قال
طبعًا.
حطيت قدامه أول مستند.
التحويل ده راح لشركة والدك ليه؟
سكت.
حطيت المستند التاني.
وده؟
سكت أكتر.
ثم رفعت عيني له.
وآخر حاجة
طلعت نسخة من عقد قديم.
مين اللي وقّع على العقد ده باسم شركة والدك؟
كريم بص للعقد.
وبعدين بصلي.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته
شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال بصوت منخفض
سارة إنتِ فاهمة الموضوع غلط.
قفلت الملف.
أنا لسه ما اتهمتكش بحاجة.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
بس واضح إنك عارف أنا بتكلم عن إيه.
وفجأة
باب القاعة اتفتح.
ودخل رجل في الخمسين من عمره.
كريم أول ما شافه وقف من مكانه.
بابا؟!
والده ما بصش له.
كان بيبص لي أنا.
وقال
مدام سارة ممكن نتكلم لوحدنا؟
سكت الجميع.
أما أنا
فكنت بدأت أفهم إن اللي حصل في ليلة فرحي
ماكانش مجرد إهانة من حماتي.
كان فيه سر أكبر بكتير مستخبي ورا العيلة كلها بصيت لحسام المنشاوي من غير ما أتكلم.
كان واقف قدامي بثبات، لكن عينيه ماكانتش ثابتة خالص.
قلت
لو الكلام مهم، اتفضل قوله قدام ابنه.
كريم اتوتر.
سارة، كفاية لحد هنا.
بصيت له.
لأ لسه ما بدأناش.
حسام رفع إيده يمنعه من الكلام.
كريم، اسكت.
الصمت نزل على القاعة.
وبعدين حسام قال
التحويلات اللي شوفتيها مش سرقة.
رديت بهدوء
وأنا ما قلتش إنها سرقة.
بس فيه سبب يخليها تظهر بالشكل ده.
وأنا مستعدة أسمعه.
قعد حسام قدامي.
فتح حقيبته، وطلع ملف بني قديم.
حطه على الطاولة.
الملف ده كان المفروض ما يخرجش من مكتبي.
بصيت للملف.
ليه؟
قال
لأن فيه حاجة تخص كريم وتخصك إنتِ كمان.
كريم اتدخل بسرعة
بابا، بلاش.
حسام بص له بنظرة حادة.
إنت سكتّ كفاية.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت تقريرًا ماليًا.
الثانية عقود.
الثالثة كشوف تحويلات.
لكن الورقة الرابعة
خلتني أتجمد.
كان عليها اسم شركتي.
مجموعة سارة للاستثمار.
رفعت عيني لحسام.
إيه علاقة شركتي بالموضوع؟
قال
من خمس سنين، كان فيه مشروع كبير جدًا بيتجه للفشل.
وإيه علاقة كريم؟
كريم أنقذ المشروع.
بصيت له باستغراب.
ابنه؟
هز رأسه.
لأ.
ثم سكت لحظة.
كريم كان مجرد موظف صغير وقتها.
بصيت لكريم.
وشه كان متغير.
قلت
يبقى مين اللي أنقذ المشروع؟
حسام ما ردش.
بدلًا منه، كريم قال
سارة اقفلي الملف.
قلت
ليه؟
عشان الموضوع قديم.
أنا صاحبة الشركة، ومن حقي أعرف.
حسام تنهد.
ثم قال
صاحبة الشركة فعلًا؟
نظرت له باستغراب.
أيوه.
ابتسم ابتسامة غريبة.
يبقى أكيد ما تعرفيش كل اللي حصل قبل ما تستلمي مجلس الإدارة.
سكتُّ.
لأني فهمت إن فيه
لمحة نيوز





