عمران وليلى ل سيلا

بمكانٍ آخر، وفي أحد الأحياء الراقية بمدينة القاهرة…
استيقظ بطلنا، ذو التسعة والعشرين ربيعًا، على رنين هاتفه المتواصل. مدّ يده بتثاقل، ثم أجاب دون أن يفتح عينيه بالكامل:
— صباح الخير يا أفندم.
أتاه صوت نعمة، مديرة منزله، من الطرف الآخر:
— صباح الخير يا عمران بيه… حضرتك هتروح الشركة النهاردة؟ أصل جالي إشعار من العضو المنتدب إن حضرتك مش هتيجي.
فتح عمران عينيه ، ثم اعتدل في جلسته ونظر إلى ساعته.
— أنا نازل، ثم قال:
— خليهم يجهزوا الفطار يا نعمة.
وضع الهاتف جانبًا، واتجه إلى الحمام.
وبعد دقائق، خرج وقد تبدلت ملامحه تمامًا؛ ارتدى بدلته الأنيقة، أنهى روتينه الصباحي، ثم التقط هاتفه وأجرى اتصالًا آخر.
— صباح الخير يا شهاب.
— صباح الخير يا عمران.
— جهزلي اجتماع لكل الأقسام على الساعة اتناشر الضهر.
رد شهاب متفاجئا
— هو إنت رجعت مصر؟
توقفت أصابع عمران للحظة وهي تعدل رابطة عنقه أمام المرآة.
— آه… رجعت.
لم يزد حرفًا، وأغلق الهاتف وألقاه فوق الفراش، ثم وقف أمام المرآة يتفحص هيئته.

بعد فترة، نزل إلى الطابق السفلي بخطوات ثابتة.
قابلته اخته ذات التسعة عشر عامًا،  برفقة ابنة عمه.
ما إن رأته حتى ابتسمت:
— صباح الخير يا موري.
التفت إليها، ولانت ملامحه قليلًا:
— صباح الخير يا حبيبتي.
اقتربت ابنة عمه منه بابتسامة تحمل فرحة واضحة:
— حمد الله على السلامة.
نظر إليها للحظة، ثم اكتفى بردٍ مقتضب:
— الله يسلمك.
أكمل طريقه نحو طاولة الطعام،
راقبته مبتسمة، حتى اقتربت منها ملك وهمست:
— على فكرة بقى… متحلميش أوي، عمران مش بيفكر فيكي أصلًا.
التفتت إليها الأخرى بضيق:
— ملك، مالكيش دعوة.
رفعت ملك كتفيها ببراءة مصطنعة:
— إنتِ حرة… بس متعشميش نفسك على الفاضي.
ثم ركضت إلى الأسفل، بينما تمتمت نيفين ابنة عمهما من بين أسنانها:
— بت باردة!
وصلت ملك إلى طاولة الطعام، وجلست بجوار والدتها.
— صباح الخير يا ماما.
ابتسمت والدتها:
— صباح الخير حبيبتي، صاحية من زمان؟
هزت ملك رأسها وهي تتناول طعامها:
— لسه صاحية… كلمت المستر، وقالي هييجي الساعة اتناشر، فقولت أحفظ اللي ورايا لحد ما ييجي.
أومأت والدتها دون تعليق.

اتجهت بنظرها الى عمران الذي  يجلس صامتًا، يتناول إفطاره بهدوء، وكأن كل ما يدور حوله لا يعنيه.
بعد لحظات، وصلت نيفين، وجلست بجوار والدته.
— صباح الخير يا طنط.
— صباح الخير يا حبيبتي.
ثم التفتت نيفين إلى عمران، وقالت بنبرة مترددة:
— عمران… أنا عايزة أنقل مكتبي اللي في الشركة.
رفع عينيه إليها بهدوء.
— ليه؟
— طلبت من “علي”، قالي مينفعش… بس أنا مش حابة الدور ده، وعايزة مكتبي يبقى في الدور اللي فوق.
ارتشف عمران من قهوته، وضع الفنجان أمامه، ثم قال ببرودٍ قاطع:
— مادام” علي “قالك مينفعش، ليه بتتكلمي معايا؟
ارتبكت قليلًا:
— بس أنا…
قاطعها دون أن يرفع صوته:
— كل واحد في مكانه يا نيفين. مش عاجبك، شوفي شركة تانية.
خفضت نيفين عينيها، بينما أكمل عمران إفطاره وكأن شيئًا لم يحدث.
أنهى قهوته، ثم نهض.
— أنا ماشي، ومش هرجع غير بالليل.
تحرك خطوتين، ثم توقف وكأنه تذكر شيئًا، والتفت إلى أخته:
— بكرة آخر امتحان، ركزي يا ملك. مش هتنازل عن هندسة.
ابتسمت ملك بتوتر:
— قول يا رب.
رفع حاجبه:
— أقول يا رب إيه؟
ضحكت بخفوت:
— أقول يا رب.
— بالضبط ياابيه
هز رأسه باقتضاب وقال
_مش هتكلم، هستنى النتيجة، قالها وخرج
تابعته ملك بعينيها حتى اختفى عن أنظارها، ثم عادت إلى طعامها.
لكن والدتها لم تترك لها فرصة للراحة.
— عارفة لو مجبتيش مجموع الهندسة هعمل فيكي إيه؟
تنهدت ملك بضيق:
— يوووه يا ماما! سديتي نفسي والله، خلاص مش واكلة، ارتاحي بقى.
اوقفتها نيفين
— وليه ما تجيبيش يا ست ملك مجموع الهندسة؟ كل حاجة متوفرة لك. عايزة إيه أكتر من كده؟ أقل حاجة تعمليها إنك تدخلي الكلية اللي أخوكي عايزها.
كانت ملك تحاول ابتلاع ضيقها، لكن كلمات نيفين جاءت كقطرة أخيرة فوق جرحٍ مفتوح:
— ممكن تخليكي في نفسك، ومتخفيش،انا مش زي ناس هدخل  بفلوس
توقفت يد ملك عن الحركة.
شهقت والدتها:
— بنت! إنتِ اتجننتي؟
لم تجب ملك.
ألقت محرمة الطعام فوق المائدة، ونهضت مسرعة، تحاول حبس دموعها حتى لا يراها أحد.
صعدت الدرج بخطوات سريعة، وما إن وصلت إلى غرفتها حتى أغلقت الباب خلفها.
استندت بظهرها إليه، وأغمضت عينيها بقوة.
لم تكن كلمات نيفين هي ما أوجعها وحدها…
بل ذلك الشعور الدائم بأنها مطالبة بأن تكون نسخةً مثالية من الصورة التي رسمها الجميع لها.
مسحت دمعة هربت رغمًا عنها، ثم تمتمت:
— حتى عمران… مش شايف غير الهندسة.
رفعت عينيها إلى كتبها المتراكمة فوق المكتب، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
واتجهت اليهم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *