عمران ج٢

اومأت له ودلفت تجلس على المقعد الذي يجاور مكتبه، بينما هو جلس يتابع عمله
_طلعي تليفونك اتسلي فيه لحد مااخلص
_ماتشغلش بالك بيت

نهضت وتوقفت في نافذة المكتب، تنظر لحركة السيارات، ومنظر النيل الذي يقرب من واجهة الشركة، حقا لقد خط. ف المكان عقلها، التفت الى اخيها

_حلوة أوي الشركة دي يافريد، يابختك، كان نفسي أشتغل في شركة زيها
نظر لعمله وقال دون أن يرفع رأسه
_إن شاء الله تشتغلي في أحسن منها حبيبتي
_اقعدي علشان مينفعش توقفي كدا، لو حد من المشرفين جه، هيبقى شكلي وحش
جلست بمقابلته تنتظر انهاء عمله
في تلك اللحظة، دلف مدحت المدير العام لقسم المحاسبة
_فريد خلصت الكشف، عمران بيه محتاجه دلوقتي
_خلاص مستر مدحت قربت اهو
وقعت اعين مدحت على الجالسة امامه
_مين دي
نظر الى اخته ثم الى مدحت
_اسف استاذ مدحت، دي ليلى اختي، اصلها في اولى جامعة، وجاية ل
اشار مدحت بيده
_خلاص.. خلاص كمل شغلك، وانت تعالي استنيه برة
نظرت الى اخيها، اومأ لها، نهضت وتحركت خلف مدحت، اشار اليها بالجلوس على أحد المقاعد بالخارج
بعد فترة وصل عمران الى مكتب مدحت
_استاذ مدحت فين؟!
خرج مدحت من الداخل
_كنت طالع لحضرتك
_طالع لي ايه، حتة ملف اسبوعين لما تخلصوه، ايه يامدحت مش قد الشغل ماتشتغلوش
فين الملف… قالها صائحًا
_خلاص.. خلاص ياعمران بيه، فريد بيخلصه
_بلا فريد بلا زفت، اللي مش قد شغله يمشي
توسعت اعين ليلى من حديثه
وصل فريد بيده الملف
_اسف ياعمران بيه، كان فيه اخطاء كتيرة
حدجه بنظرة مستاءة:
_انت هتحكي معايا، لو مش قد الشغل مع السلامة، كسل مابحبش الكسل
حاول مدحت التدخل
_ياعمران بيه حضرتك مش فاهم
_انت تخرص خالص، موظفينك فاشلين وليك عين تبجح
_ماخلاص بقى، انت ايه
صاحت بها ليلى، حين نظر اخيها للارض بحزن من اتهامات عمران الشنعاء
دنت من عمران وتوقفت امامه
_لما انت شاطر اوي كدا خلص شغلك بنفسك يااخويا
جحظت أعين فريد من رد اخته، اتجه اليها يسحبها من ذراعيها
_ليلى… ايه اللي بتقوليه دا
توقفت أعين عمران عليها، تذكر تلك الفتاة المجنونة التي صعدت معه المصعد منذ قليل
_مين البنت دي؟!
رفعت حاجبها ونظرت اليه مستاءة من حديثه:
_البت دي، ياسلام على العنتظة وفردة الصدر يااخويا، البت دي اللي مش عجباك اخت استاذ فريد محاسب قد الدنيا في الشركة دي
_انت بقى مين؟!
خطا نحوها بخطواتٍ سلحفية، لكن وقعها كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى المكان. كانت عيناه تفترسان ملامحها الصغيرة بحدةٍ أربكتها، فتراجعت خطوة إلى الخلف، ثم التفتت إلى أخيها باستنكار.
— هو ماله ده؟!
ابتلع فريد ارتباكه، وقال سريعًا:
— عمران بيه… أنا آسف، ليلى متقصدش.
التفت عمران إليه بحدة، وأشار بعينيه نحوها.
— البنت دي بتعمل إيه هنا؟
رفعت ليلى ذقنها بعناد، وكأن كلمته أشعلت كبرياءها.
— على فكرة أنا مش “بت”، أنا اسمي ليلى.
شهقت عينا فريد، بينما تابعت هي دون أن تنتبه إلى نظرات عمران:
— اشتكيه لصاحبة الشغل! مش علشان بيه وطويل تخاف منه.
كور عمران قبضته ببطء، يحاول كبح ابتسامة كادت تفلت منه رغمًا عنه، من طريقتها الطفولية، بينما أسرع فريد يسحبها من ذراعها.
— آسف… آسف يا عمران بيه، هي متعرفش حضرتك.
نفضت ليلى ذراعها من يد أخيها بضيق.
— ما خلاص بقى! عمران بيه، عمران بيه… لو أنت خايف منه، قولي مكتب صاحبة الشركة فين وأنا أروح لها وأشتكيه.
رفع عمران حاجبه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية وهو يتأمل تلك الشقية التي تقف أمامه وكأنها نسيت تمامًا من يكون.
— عايزة صاحبة الشركة؟
أغمض فريد عينيه بيأس، بينما انفجر مدحت بضحكة مكتومة.
قالت ليلى بثقة:
— آه. هخاف منك ولا إيه؟ أنا مابخافش على فكرة… وهخليها ترفضك.
ضحكة قصيرة خرجت من عمران هذه المرة.
— لا يا راجل… طيب اطلعي لها.
أشار إلى الطابق العلوي.
— مكتبها أول مكتب في الوش. ادخلي لها على طول، محدش هيوقفك.
اتسعت ابتسامتها بانتصار.
— هطلع لها. خايفة منك ولا من طولك ده؟
— ليلى، استني!
صاح بها فريد، لكنها كانت تحركت في الصعود.. خطا خلفها، ولكن
رفع عمران يده لفريد، يأمره بالصمت، ثم نادى عليها بنبرة ساخرة:
— روحي يا شاطرة… قولي لصاحبة الشركة إن فيه واحد طويل تحت، ارفضيه.
استدارت إليه، ورمقته بغضب.
_ هروح، مرحوش ليه إن شاء الله؟
ثم صعدت دون أن تمنحه فرصة أخرى للكلام.
بقي فريد في مكانه، يزفر بقلق.
_ عمران بيه، أنا آسف.
التفت إليه عمران.
_ أنت شغال هنا من زمان؟
_ بقالي سنة تقريبًا.
نظر عمران إلى مدحت، وكأن السؤال هذه المرة موجّه إليه.
_ إيه اللي بيحصل ده يا مدحت؟
ابتسم مدحت بهدوء.
_ عمران بيه، البنت صغيرة ومتقصدش.
أومأ عمران
_صغيرة تروح الحضانة، مش فاتح بيبي سيتر انا، قالها ثم استدار وصعد خلفها.
تحرك فريد ليلحق به، لكنه توقف عندما التفت عمران إليه وأشار بيده.
_ شوف شغلك. الملف ده فيه أخطاء، راجعه تاني.
_ بس…
لم يمنحه عمران فرصة لإكمال كلمته، ومضى إلى الأعلى.
عاد فريد إلى مدحت، وقال بقلق:
_ مستر مدحت، لو سمحت، أختي صغيرة ومتعرفش حاجة.
ربت مدحت على كتفه مطمئنًا.
_خلاص متقلقش. هو مش هيعمل فيها حاجة.
تحرك فريد خطوة نحو السلم، لكن مدحت أوقفه.
_ استنى يا فريد. عمران بيه محترم، وأنا متأكد إنه مش هيأذيها.
هز فريد رأسه.
_ لا، لا… ممكن يقول لها كلام يضايقها. أنا هطلع لها.
تنهد مدحت.
_ خلاص، خليك أنت. وأنا هروح لها.
في الأعلى…
جالت عينا ليلى في المكان بفضول، خرج الساعي من أحد المكاتب.
اقتربت منه وسألته:
_ عمو… هو ده مكتب صاحبة الشركة؟
ابتسم الرجل وقال:
_ صاحب الشركة قصدك يا بنتي.
لم تكترث لتصحيحه، وأشارت إلى الباب.
_ هو ده المكتب؟
— أيوه، بس هو مش جوه، والسكرتيرة روحت.
هزت رأسها بحسم.
_ هستناها لما ترجع.
_ يا بنتي مينفعش…
لكن قبل أن يكمل، ظهر عمران في نهاية الممر.
أشار إلى الرجل بالمغادرة، ثم بقي يراقبها بصمت.
دون أن تنتبه لوجوده، دفعت ليلى الباب ودلفت إلى المكتب.
اتسعت عيناها وهي تتجول بين أرجائه، تنظر إلى المساحة الفسيحة بدهشة.
_ إيه المكتب اللي يتوه ده؟! ده قد بيتنا!
تحركت نحو المكتب الكبير، ثم وقعت عيناها على اللوحة الموضوعة أمامه.
قرأت الاسم ببطء:
“عمران الزيني… النائب العام لمجموعة شركات الزيني.”
تجمدت للحظة.. ثم استدارت ببطء شديد.
كان واقفًا عند الباب.
يعقد ذراعيه أمام صدره، ويسند كتفه إلى الإطار، وعيناه تستقران عليها بثباتٍ جعل قلبها يقفز داخل صدرها.
ارتجفت شفتاها، وفركت كفيها بتوتر، ثم رفعت يدها تشير إلى المكتب.
_ خلاص بقى… الصلح خير. أنا مش هشتكيك .
لم يرد.
اقتربت من الباب بخطوات مترددة، وعيناها معلقتان بالأرض.
ثم رفعت رأسها نحوه بحذر.
_ ممكن تعديني، عايزة أخرج.
قال بهدوء مستفز:
_ تخرجي؟ الله… مش هتشتكيني؟
هزت رأسها بسرعة، كطفلة ضبطت متلبسة بشيء تخشاه.
_ لا… خلاص. المسامح كريم. وفريد أصلًا مش موافق.
ابتسم بسخرية خفيفة.
_ لا يا راجل؟
زوت جبينها، ونظرت إليه بضيق.
لكنها ما إن رفعت عينيها إليه حتى التقت عيناه بعينيها.
توقفت الكلمات على شفتيه.. لم يكن يعرف لماذا صمت.
فقط وجد نفسه يحدق فيها.
عينان عسليتان واسعتان، تلمعان ببراءة ممزوجة بعناد غريب… وبشرة بيضاء تزين وجهًا دائريًا صغيرًا، وحجاب فيروزي يحيط بملامحها فيزيدها رقة.
لأول مرة منذ وقت طويل، لم يجد عمران الرد المناسب.
أما هي، فلم تفهم سبب صمته.
قالت بصوت خافت:
_ ممكن تعديني لو سمحت؟
عاد ثباته مرة أخرى
تحرك نحوها… خطوة واحدة فقط…
جعلتها تتراجع دون وعي.ثم خطوة أخرى…
فتراجعت حتى اصطدم ظهرها بالجدار.
ارتجف جسدها، ورفعت عينيها إليه بحذر.
كان قريبًا منها، أكثر مما ينبغي.
خفض بصره إلى ارتباكها، ثم عاد يثبت عينيه في عينيها.. وقال

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *