اماني السيد ٣

الجوازة كانت بمباركة أبويا وأمي وأهلها كلهم، الكل كان شايف إن طارق هو الراجل اللي يقدر يصونها ويحميها بعد اللي شافته مني. وطارق فعلاً عمل اللي أنا فشلت فيه؛ فتح بيته لولادي، شالهم في عينيه وعوضهم عن كل ليلة خوف وقهر ومرمطة عيشتهالهم. بقى يذاكرلهم، يفسحهم، ويجري بيهم على الدكاترة في عز التعب بقلب أب حقيقي خايف على روحه.
أصعب لحظة في حياتي كانت لما شوفت ابني في الشارع بالصدفة وهو ماسك إيد طارق، بيضحك من قلبه وفرحان، ولما طارق وطى شاله وحضنه، الولد ناداله وقاله: «يا بابا». ساعتها بس حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت، وعرفت إن طارق مخدش بس مراتي وولادي.. طارق أخد مكاني اللي رميته برخص التراب، وبقى ليهم الأب والسند، وفضلت أنا مجرد ذكرى سودة واسم على شهادة ميلاد بيستعروا منه.
الجرح الأكبر مكنش بس في اللي خسرته برة، المصيبة الحقيقية كانت جوة البيت اللي فضلت عشانه. مرفت بعد ما سوسن خرجت من حياتي تماماً واتجوزت طارق، اتغيرت 180 درجة.. اكتشفت متأخر إن كل الدلع والاهتمام والحب المزيف اللي كانت بتغريني بيه، مكنش عشاني أنا، كان مجرد كيد ونار منافسة عشان تحس بالانتصار على ضرتها وتثبت لنفسها إنها قدرت تاخد الراجل منها.
أول ما سوسن استغنت ومبقاش في حد تنافسه أو تحرقه بالرسايل والصور، انطفى الشغف ده فجأة، ومرفت شالت القناع.
بقت تهملني تماماً؛ لا أكل بيتعمل في ميعاده، ولا كلمة حلوة تطلع من لسانها، ولا حتى بتكلف خاطرها تبص في وشي لما أدخل الشقة. البيت اللي كان زمان مليان ضحك ودلع رخيص، بقى بارد وكئيب زي المقبرة، وهي ممسكة تليفونها ليل ونهار، عايشة في عالمها ومش شايفة غير نفسها.
لما الفلوس قلت بسبب أحكام النفقة والمحاكم ومبقتش قادر أجيبلها نفس الهدايا والفسح الغالية، بقى لسانها أطول وأقسى من الأول. كل ما أطلب منها حاجة أو أشتكي من الإهمال، تبصلي بقرف وتقولي: «أنت هتعملهم عليا؟ ما تحمد ربنا إني صابرة على قلة حيلتك وفقرك ده بعد ما خربت بيتك ومحاكمك شفطت مرتبك!».
حياتي حرفياً اتحولت لسواد.. بقيت عايش مع ست لا بطيقها ولا هي طايقاني، مسجون معاها في نفس الشقة عشان مش قادر حتى أتحمل مصاريف طلاقها هي كمان. بقيت أقعد بالليل في الضلمة أفتكر حنية سوسن، وضحكة عيالي، واللقمة الدافية اللي كانت بتتعمل بحب ورضا، وأبص لمرفت وهي نايمة مدية ضهرها ليا ولا حاسة بوجودي.. وساعتها بس عرفت إن ربنا خلص حق سوسن وعيالي مني في الدنيا قبل الآخرة، وإن السواد اللي أنا عايش فيه مش أكتر من عدل ربنا على راجل باع الغالي بالرخيص.





