حكايات رولا

— وقبلي أكيد ناس تانية دفعت التمن.
هو بص ناحية القاعة اللي فيها أبوه وأمه:
— غالباً بابا.. وأختي.. وأنا نفسي.
— يبقى اتعلم درس من ده.
حازم قرب منها شويتين:
— هو إحنا ملناش فرصة تانية مع بعض؟
نور افتكرت للحظة خروجتهم السوا، والسفريات، والوعود الحلوة.. بس صورة حازم وهو بيقولها “امسحي وشك وبلاش شوشرة” فضلت حاضرة في بالها.
— قولي حاجة بصدق يا حازم.. لو بابا كان صاحب سلسلة فنادق، كنت هتاف وتسمح لأمك تعمل معايا كده؟
حازم اتأخر أوي في الرد.
— لا.
— ليه؟
— عشان… كنت هبقى عارف إن في عواقب وممكن الموضوع يكبر.
نور بصتله بحزن:
— يعني إنت مدافعش عني عشان كنت فاكر إني ضعيفة ومليش ظهر ولا سلطة.
— مكنش قصدي كده والله!
— إنت لسة قايل كده بعظمة لسانك.
حازم حط إيده على وشه بحسرة:
— أنا كنت جبان.
— أيوة.
من غير زعيق.. الكلمة كانت كافية ونافذة.
حازم بلع ريقه:
— أنا بحبك يا نور.
— يمكن.. بس الحب اللي محتاج إن الطرف التاني يكون صاحب نفوذ عشان يحترمه، حب ميرزمنيش وميلزمنيش.
نور رجعت القاعة.
المراجعة المالية بدأت الأسبوع ده، واكتشفت بلاوي أكتر: عقود مشبوهة لماجدة، ومشتريات مالهاش لازمة وعمولات متوافق عليها من قيادات تبع توفيق. سنين من الانفراد بالرأي حولت الثقة العائلية لفساد وعدم رقابة.
ماجدة رجعت جزء من الفلوس تبع “بي إم إيه” وسوّت الباقي. ورانيا تنازلت عن أي ائتمان مكنتش تعرف عنه. وتوفيق وافق على وجود أعضاء مستقلين في المجلس.
ولأول مرة من 31 سنة، مفيش حد من عيلة الألفي بقى ليه سلطة مطلقة.
بعد 3 أسابيع من عزومة المطعم، ماجدة طلبت تقابل نور لوحدهم.
اتقابلوا في أوضة صغيرة في الشركة. ماجدة كانت لابسة طقم بيج بسيط من غير أي مجوهرات فاقعة.. مابقتش الست بتاعت زمان اللي بترفع كاسها عشان تقرر مين يستاهل يدخل عالمها ومين لا.
— أنا جاية أعتذرلك — قالتها ماجدة.
نور سكتت.
— مش عشان الشغل والشركة.. عشان اللي حصل في المطعم.
— سامعاكي.
ماجدة اتنهدت:
— أنا شفت بنت باباها سواق تاكسي وافترضت إنها جاية تطمع فينا وعايزة تخش عيلتنا مصلحة. مسألتش عنك، ومفرقتش معايا أعرفك. كل اللي فكرت فيه إني أحمي اسم العيلة.
نور شابكت إيديها:
— ودلقتي عليا العصير.
— أيوة.
— وقدام الناس كلها.
ماجدة نزلت عينها في الأرض:
— أيوة.
— هل كنتي هتعملي كده وتتأسفي لو “فيرتكس” مكنتش أشتراها الصندوق بتاعي؟
السؤال فضل معلق في الهواء.
ماجدة اتأخرت عقبال ما ردت:
— مش عارفة.
نور هزت رأسها:
— أنا عارفة.. مكنتيش هتعملي كده ولا تعتذري.
ماجدة ما جادلتش:
— غالباً عندك حق.
— أنا قبلت اعتذارك — نور قالت — بس قبول الاعتذار مش معناه إني أرجع للمكان اللي أتهنت فيه.
— أنا فاهمة ده.
ماجدة وقفت عشان تمشي، بس قبل ما توصل للباب، الباب اتفتح.
عم رجب الرداد كان واقف.
نور ابتسمت بفرحة ومفاجأة:
— بابا! إيه جابك هنا؟
— جيت أخدك، قولتلي إنك مخلصة بدري.
ماجدة وقفت مكانها مش بتتحرك.
— إنت والد نور؟
عم رجب بص لبنته الأول:
— أيوة يا فندم.
ماجدة أخدت نفس عميق:
— أنا بعتذر لحضرتك كمان.. أنا استخدمت شغلتك عشان أضايق بيها بنتك وأقل منها.
عم رجب قلع كاب التاكسي:
— بصي يا هانم.. أنا بأسوق تاكسي، في أيام حلوة وأيام ناشفة. ساعات بركب معايا مديرين، وساعات صنايعية وعمال، وساعات ناس بتركب وهي بتعيط ومش قادرة تتكلم. على الكنبة الورانية كلهم شبه بعض وبيساووا بعض.
ماجدة بصتله باهتمام.
— كان المفروض أفهم ده من بدري.
— يمكن.
عم رجب ما شتمهاش، وما اتفشخرش ببنتها، ولا قال هي بتدير كام مليون.
سألها بس:
— خلصتم كلام؟
نور ضحكت بصوت واطي:
— أيوة يا بابا.
— طيب يلا بينا عشان الطريق واقف وزحمة.
قبل ما تخرج، نور شافت حازم واقف في آخر الممر.
قرب منهم:
— نور.
عم رجب مشي خطوتين عشان يسيبهم براحتهم.
— كنت عايز أقولك إني مش هضغط عليكِ تاني — حازم قال — أنا بدأت أتابع مع أخصائي نفساني.. وطلبت من بابا أبعد شوية عن الإدارة التشغيلية. محتاج أفهم ليه طول عمري بخلط بين الهروب من المشاكل وبين إني أكون بني آدم طيب.
نور بصتله.. مكنتش حاسة بغل ولا غضب.
وده أكتر شيء فاجئها.
— أتمنى ده ينفعك.
— هو ده بس اللي عندك؟
— هو ده كل اللي عندي.
حازم هز رأسه:
— أنا خسرتك في دقيقة.





