روايه كامله

لحظة.
أنا هتكلم عن حاجة حصلت من تسع سنين.
أمي بدأت تبصلي.
وأنا لأول مرة حسيت إن فيه حاجة أنا نفسي مش عارفاها.
يوسف مسك إيدي.
همس
مريم إنتِ كويسة؟
هزيت رأسي.
لكن الحقيقة إني ماكنتش كويسة.
نادر كمل
منحة عديلة مراد كانت بالنسبة لي أكتر من منحة دراسية.
بص ناحية أمي.
كانت فرصة إني أفهم معنى الرعاية الحقيقية.
وبعدين بصلي.
والسبب الحقيقي إن المنحة دي موجودة مش الشخص اللي الناس فاكرينه.
أمي قالت بصوت عالي
نادر!
القاعة سكتت.
نادر نزل الميكروفون شوية.
وبص لها.
حضرتك عارفة أنا بتكلم عن إيه.
أمي وشها شحب.
أنا قربت من المسرح.
قلت
نادر إنت عايز تقول إيه؟
قال
قبل ما أقول، لازم أوريكي حاجة.
أخرج ظرف بني من جيبه.
مجرد ما شفت الظرف
أبويا اتحرك بسرعة.
هات الظرف ده.
نادر رجع خطوة.
ليه؟
أبويا قال
لأنه مش من حقك.
نادر رد
هو من حقي أحتفظ بيه، ومن حق مريم تعرف اللي جواه.
مد إيده بالظرف ناحيتي.
أخذته.
كان عليه اسم واحد فقط
عديلة مراد.
إيدي بدأت ترتعش.
قلت
ده كان عندك إزاي؟
نادر قال
جدتك ادتهولي.
اتجمدت.
جدتي؟
هز رأسه.
قبل ما تتعب بفترة.
فتحت الظرف.
كان جواه ورق قديم.
أول ورقة كانت صورة لحائط الشهادات في بيتنا.
الصورة قديمة.
لكن الغريب إن عدد الشهادات كان مختلف.
كان فيه شهادة واحدة ناقصة.
بصيت للصورة مرة.
وبعدين رفعت عيني لأبويا.
ليه الشهادة دي مش موجودة عندنا؟
ما ردش.
قلبت الورقة.
لقيت على ظهر الصورة بخط جدتي
الحقيقة مش دايمًا بتكون في اللي ظاهر.
نفسي اتقطع.
قلبت الورقة اللي بعدها.
كانت قائمة بأسماء.
أسماء أطباء من عيلتنا.
لكن جنب كل اسم ملاحظات قصيرة.
سنوات التخرج.
أماكن العمل.
وتواريخ غريبة.
وفي آخر الصفحة
كان فيه اسم جدتي.
وتحته جملة واحدة
هي الوحيدة التي عرفت الحقيقة كاملة.
بصيت لنادر.
أي حقيقة؟
قبل ما يرد، أمي قالت
مريم، سيبي الورق.
قلت
ليه؟
قالت
عشان اللي مكتوب فيه مش زي ما إنتِ فاهمة.
أول مرة أسمع أمي تتكلم معايا بالطريقة دي.
مش بغرور.
ولا باستهزاء.
كانت خايفة.
قلت
طب فهميني.
سكتت.
أبويا هو اللي اتكلم
الورق ده قديم.
قلت
وده معناه إيه؟
قال
معناه إنك ما تعرفيش كل اللي حصل في العيلة.
ضحكت بمرارة.
أنا أصلاً اتطردت من العيلة وأنا عندي 18 سنة. واضح إني فعلًا ما أعرفش حاجة.
كاميليا كانت واقفة مكانها.
وشها شاحب.
بصيت لها.
إنتِ كنتِ عارفة؟
قالت بسرعة
عارفة إيه؟
إن فيه سر.
سكتت.
وهنا فهمت.
هي فعلًا كانت تعرف حاجة.
قربت منها.
من إمتى؟
قالت
مريم، الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
قلت
إنتِ وأمي وأبويا قضيتوا 9 سنين بتقولوا إني أنا الغلطانة.
ردت
لأننا كنا بنحاول نحمي العيلة.
الجملة دي خلتني أسكت.
نحمي العيلة من إيه؟
ما ردتش.
نادر قال
أنا أقدر أقولها.
أبويا صرخ
لا!
القاعة كلها اتخضت.
ولأول مرة في حياتي
شفت أبويا يفقد السيطرة بالشكل ده.
نادر بص له وقال
أنت عارف إن السكوت مش هينفع للأبد.
أبويا قرب منه.
إنت وعدت.
نادر رد
وأنا احترمت وعدي سنين.
ثم أشار إليّ.
لكن مريم من حقها تعرف.
سكت أبويا.
نادر رجع يبصلي.
وقال
جدتك عديلة ماكانتتش بس ممرضة في العيلة.
اتسمرت مكاني.
أمال كانت إيه؟
نادر قال
كانت صاحبة القرار في أهم لحظة غيرت تاريخ عيلتكم.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
قلت
أي لحظة؟
نادر مد إيده للظرف.
وأخرج ورقة مطوية بعناية.
الورقة دي كتبتها جدتك قبل وفاتها.
فتحها.
قرأ أول سطر.
ثم توقف.
بصلي مباشرة.
هي كتبت اسم شخص واحد وقالت إن مريم لازم تعرفه.
قلبي بدأ يدق أسرع.
مين؟
نادر بص ناحية أبي.
ثم ناحية أمي.
ثم رجع بصلي.
وقال
الشخص ده هو السبب الحقيقي اللي خلاهم يرفضوا إنك تدخلي كلية الطب.
اتسعت عيني.
إيه؟
أمي غطت فمها بإيدها.
كاميليا بدأت تبكي.
وأبويا قال بصوت منخفض
مريم قبل ما تسمعي، لازم تعرفي إننا حاولنا نصلح الموضوع.
قلت
إمتى؟
ما ردش.
صرخت
إمتى؟!
نادر قال
بعد ما خرجتي من البيت بثلاث سنين.
بصيت له.
يعني إيه؟
قال
أبوك وأمك حاولوا يوصلوا لك.
ضحكت بسخرية.
ماحدش اتصل بيا.
قال
لأنهم ماكانوش عايزين يطلبوا منك ترجعي.
سكت.
كانوا عايزين حاجة تانية.
سألته
إيه؟
نادر نزل عينيه للورقة.
وبعدين قال
كانوا عايزين منك تسامحي شخصًا ماتعرفيش أصلًا إنه السبب في كل اللي حصل.
وفي اللحظة دي
رن هاتف يوسف.
بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت فجأة.
قال
مريم
فيه إيه؟
مد لي الهاتف.
كان فيه رسالة واحدة من رقم مجهول
لو عايزة تعرفي ليه طردوكي من البيت اسألي أبوكي عن اللي حصل ليلة وفاة جدتك.
رفعت عيني لأبويا.
وكان واقف قدامي
ساكت.
لكن عينيه قالتلي إن الرسالة دي مش مجرد تهديد أو لعبة.
هو كان يعرف بالضبط مين بعتها.
وهنا
أمي قالت بصوت مرتجف
مريم ما تسأليش أبوكي.
قلت
ليه؟
بصت ناحية الباب.
وقالت
لأن الشخص اللي كتب الرسالة موجود في القاعة بصيت ناحية باب القاعة.
كل الموجودين كانوا واقفين أو قاعدين في أماكنهم، لكن محدش كان باين عليه إنه فاهم حاجة.
قلت لأمي
مين؟
ما ردتش.
بصيت لأبويا.
كان ساكت، وعينيه مثبتة على الباب.
يوسف قرب مني وقال
مريم، خليكي جنبي.
لكن أنا ماقدرتش أتحرك.
كان فيه إحساس غريب بيشدني ناحية المدخل.
وفجأة
دخل راجل كبير في السن.
كان لابس بدلة رمادية، وماسك عصاية.
أول ما ظهر، أمي رجعت خطوة لورا.
وأبويا وشه اتغير.
أما كاميليا
فانهارت في البكاء.
أنا بصيت للرجل.
ماكنتش أعرفه.
لكنه كان بيبصلي بطريقة غريبة جدًا.
كأنه شايفني لأول مرة
وفي نفس الوقت كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
نادر نزل من على المسرح واتجه ناحيته.
قال
كنت عارف إنك هتيجي.
الرجل رد
أنا ماكنتش هسيبها تمشي من غير ما تعرف.
بصيت لنادر.
إنت تعرفه؟
قال
أيوه.
سألته
مين هو؟
الرجل نفسه رد
أنا الدكتور سامح مراد.
اتجمدت.
مراد؟
قال
أخو جدتك عديلة.
أنا عمري ما سمعت عن شخص بالاسم ده.
ولا مرة.
بصيت لأمي.
إنتِ عمرك ما قلتيلي إن ليها أخ.
قالت
لأن الموضوع كان منتهي.
الدكتور سامح ابتسم بحزن.
ماكانش منتهي يا نادية.
أمي نزلت عينيها.
هو كمل
إنتوا دفنتوا الحقيقة لكن ماقدرتوش تدفنوا أثرها.
قلت
أنا مش فاهمة أي حاجة.
مد إيده لجيب بدلته وأخرج ظرفًا أبيض.
قال
جدتك كانت عارفة إن اليوم ده هييجي.
مد الظرف لي.
وقالتلي لو حصل، أسلمهولك بنفس إيدي.
أخذته.
كان عليه تاريخ.
تاريخ قديم جدًا.
قريب من اليوم اللي خرجت فيه من بيت أهلي.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
خط جدتي كان واضحًا.
بدأت أقرأ.
مريم
توقفت.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
أغمضت عيني لحظة.
وكملت.
أول حاجة لازم تعرفيها إن خروجك من البيت ماكانش بسبب إنك اخترتي التمريض.
رفعت عيني.
بصيت لأبويا.
كان بيبص للأرض.
رجعت للورقة.
إنتِ اتطردتي لأن اختيارك لمس سرًا قديمًا في العيلة.
قلبي اتقبض.
كملت.
من يوم ما اتولدتِ، كان فيه قرار اتاخد من غير ما تعرفي.
اتنفست ببطء.
قرار كان المفروض يفضل مدفون.
توقفت عن القراءة.
قلت
إيه القرار؟
الدكتور سامح قال
اقري.
كملت.
العيلة كانت عايزة تفضل محافظة على صورة واحدة قدام الناس صورة إن كل فرد فيها لازم يمشي في نفس الطريق.
لكن الحقيقة إن جدك الكبير نفسه ماكانش عايز أولاده كلهم يدخلوا طب.
بصيت للحائط اللي كان في ذاكرتي مليان شهادات.
هو كان عايز حاجة مختلفة.
كان شايف إن الطب مش لقب.
وإن الشخص اللي يختار الرعاية والرحمة مش أقل من الطبيب.
إيدي بدأت ترتعش.
الرسالة كانت بتكشف حاجة عمري ما توقعتها.
لكن لسه فيه جزء ناقص.
قلبت الصفحة.
ماكانش فيه صفحة تانية.
قلت
بس الرسالة ناقصة.
الدكتور سامح هز رأسه.
أيوه.
فين باقيها؟
بص ناحية أبويا.
معاه.
القاعة كلها سكتت.
بصيت لأبويا.
قلت
بابا.
ما ردش.
الجزء التاني من الرسالة معاك؟
رفع عيني أخيرًا.
قال
أيوه.
اتقدمت ناحيته.
ليه؟
قال
لأن أمك وجدتك كانوا مختلفين على حاجة واحدة.
إيه؟
سكت طويلًا.
ثم قال
هل لازم تعرفي كل الحقيقة ولا نسيبك تعيشي حياتك من غير ما تعرفي؟
قلت
بعد تسع سنين من غير إجابة، إنت لسه بتسألني؟
أبويا طلع ورقة مطوية من جيبه.
حطها قدامي.
خدي.
فتحتها.
كانت الصفحة الأخيرة.
وقبل ما أقرأها، سمعت صوت أمي
مريم مهما كان اللي هتقرئيه، لازم تعرفي إن أبوكي ماكانش هو صاحب القرار.
بصيت لها.
أمال مين؟
أمي سكتت.
كاميليا مسحت دموعها.
وقالت
أنا.
اتصدمت.
إنتِ؟
هزت رأسها.
أنا كنت السبب في إنك خرجتي من البيت.
يوسف شد على إيدي.
وأنا حسيت إن كل حاجة كنت مصدقاها عن أختي بدأت تتغير.
كاميليا قربت مني.
أنا كنت فاكرة إن لو دخلتي التمريض، العيلة هتعتبرني مسؤولة عن فشلك.
قلت
إنتِ كنتِ عارفة إنهم هيطردوني؟
بكت.
أيوه.
وسكتي؟
هزت رأسها.
أنا كنت جبانة.
ثم أضافت
لكن ده مش السر اللي جدتك كانت بتتكلم عنه.
بصيت للورقة في إيدي.
فتحتها.
كان أول سطر
مريم، لو كاميليا قالت لك إنها السبب ما تصدقيهاش.
اتسعت عيني.
رفعت رأسي ببطء.
كاميليا
كانت واقفة

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *