نور وسليم

حين يرى الوحش مايا خالد
سليم كان قاعد في ضلمة الأوضة، رغم إن الشمس كانت طالعة، بس بالنسبة له مفيش فرق. كان حاسس بحركة في الأوضة، صوت خطوات خفيفة عارفها كويس.. نور.
صاح بصوت زي الرعد:
— قلت مية مرة محدش يدخل عليا! اطلعي بره يا نور.. مش عايز شفقة من حد!
نور مالت وحطت الصينية على التربيزة ببرود تام، وبدأت تفتح الستائر وهي بتقول بصوت هادي ومستفز:
— أولاً، أنا مابشفقش على حد. ثانياً، دي أوضتي زي ما هي أوضتك، وأنا حرة أتحرك فيها زي ما أنا عايزة. وبعدين إنت مش شايفني أصلاً، مضايق نفسك ليه؟
سليم قبض على إيده بقوة وقال وسنانه بتصطك:
— انتي بتستغلي إني مش شايفك عشان تفرضي سيطرتك؟
نور ماردتش عليه، وبدأت بكل ثقة تفك زراير قميصها عشان تبدل هدومها وتلبس حاجة مريحة للبيت. صوت احتكاك القماش وصوت السوستة كان مسموع في هدوء الأوضة. سليم ملامحه اتصلبت، حواسه اللي بقت حادة بعد الحادثة خلت خياله يرسم كل حركة بتعملها.
قال بصوت مخنوق ومضطرب:
— إنتي.. إنتي بتعملي إيه؟ أنا سامع صوت هدومك..
نور كملت ببرود وهي بتبص لوشه المطفي وتحديه:
— بغير هدومي يا سليم. عندك مانع؟ ما إنت بتقول إنك مش شايف حاجة، يعني وجودي زي عدمه بالنسبة لك، صح؟ ولا هو وحش على الفاضي وكلامك بيغير حقيقتك؟
سليم قام وقف، وكان بيتحرك بتهور وهو بيحاول يوصل لمكان صوتها، خبط في الكرسي بس مأظهرش وجعه، وقال وهو بيحاول يمسك كتفها:
— إنتي بتلعبي بالنار.. فاكرة إن العجز ده هيخليني سهل؟ أنا ممكن أهد الدنيا عليكي وانتي واقفه.
نور وقفت قدامه بالظبط، لدرجة إنها حست بحرارة أنفاسه الغضبانة، ومسكت إيده وحطتها على قلبها اللي كان بيدق بهدوء وثبات:
— أدي النار أهي يا سليم.. وريني هتحرقني إزاي؟ إنت مش عاجز عشان نظرك راح، إنت عاجز عشان مش عارف تسيطر على البنت اللي قدامك وهي في أضعف حالاتها.. قصدي في أكتر حالاتها حرية.
سليم سحب إيده وكأنه اتلسع، ورجع قعد على السرير وهو بيحاول ينهج، الغضب والارتباك اللي جواه كانوا بياكلوه. هي كانت بتكسر جبروته ببساطتها، وبتحسسه إنه رغم عماه لسه راجل وموجود مايا خالد، بس بطريقة كانت بتجننه.
سليم مكنش من النوع اللي ينهزم بسهولة، حتى وهو مش شايف. كان لازم يرد القلم قلمين، وبطريقته الوحشية اللي مفيش فيها رحمة.
سليم فضل قاعد مكانه، ملامحه هديت فجأة وهدوءه ده كان دايمًا معناه إن فيه عاصفة جاية. نور كانت فاكرة إنها كسبت الجولة دي، ورايحة ناحية التسريحة تسرح شعرها وهي بتغني بصوت واطي ومستفز.
فجأة، وبحركة سريعة مكنتش تتوقعها من حد مش شايف، سليم قام ومد إيده وقبض على معصمها بدقة غريبة، وكأنه كان راسم مكانها في خياله بالمللي. سحبها ناحيته بقوة لدرجة إنها خبطت في صدره، ولف دراعه التاني حول وسطها، وحبسها بينه وبين الحيطة.
همس في ودنها بصوت واطي ومرعب:
— فاكرة إنك لما تقلعي هدومك قدامي وتستفزي حواسي، إنك كدة كسرتيني؟ إنتي بس نشطتي الوحش اللي جوايا.. والوحش لما بيجوع، مبيفرقش معاه مين اللي قدامه.
نور حاولت تزقه، بس كان زي الجبل، وقالت بنبرة حاولت تخليها ثابتة:
— سيبني يا سليم.. إنت بتوجعني.
سليم ضحك ضحكة مكتومة وسوداء:
— الوجع ده لسه مدوقتيش منه حاجة. إنتي بتقولي إني مش شايفك؟ تمام.. بس أنا شامم ريحة خوفك، وسامع دقات قلبك اللي بدأت تعلى وتفضحك. إنتي مش حرة يا نور.. إنتي أسيرة لفضولك. عايزة تعرفي الوحش ده ممكن يعمل إيه لو فقد سيطرته؟
نور رفعت راسها وقالت بتحدي وهي وشها في وشّه:
— وريني.. وريني هتعمل إيه وأنت مش عارف حتى مكان وشي فين عشان تبصلي.
سليم قرب أكتر، لدرجة إن طرف مناخيره لمس طرف مناخيرها، ومشى إيده ببطء مستفز على ملامح وشها، من أول جبينها لحد شفايفها، وكأنه بيحفظ تفاصيلها بصوابعه.
— أنا مش محتاج عينيا عشان أشوفك يا نور.. أنا حافظك أكتر مما تتخيلي. ومن النهاردة، مفيش تغيير هدوم بحرية.. ومفيش حركة في البيت ده من غير ما تقوليلي. وإلا.. هخليكي تتمني إنك تكوني بجد مش شايفة اللي هعمله فيكي.
سليم سابها فجأة وخرج من الأوضة، بيتحرك بثقة غريبة وكأنه عارف كل ركن، وساب نور واقفة مكانها بتنهج، وقلبها بيدق بسرعة مش من الخوف بس.. لكن من إحساس غريب بدأ يتسلل ليها؛ إن الوحش ده مطلعش ضعيف زي ما كانت فاكرة، وإنه لسه عنده مخالب تقدر تخربش روحها. مايا خالد
بعد يومين، سليم قرر يعمل عزومة عمل كبيرة في الفيلا، كان هدفه يثبت للسوق إنه لسه الوحش اللي الكل بيخاف منه حتى وهو مش شايف. ونور كانت بتلف حواليه، بتحاول تظبط له الكرافتة أو تمسح له نقطة مية نزلت على بدلتـه بحب، بس هو كان بيزيح إيدها بعنف وكأنها جمرة نار.
الضيوف وصلوا، رجال أعمال كبار وزوجاتهم. سليم كان قاعد زي الملك، ونور واقفة جنبه بابتسامة هادية، بتحاول تسنده من غير ما تحسسه إنه محتاج مساعدة.
واحد من الضيوف قال بضحكة صفرا:
— مبروك يا سليم بيه على الجوازة.. الصراحة نور هانم زي القمر، كسبت الصفقة دي كمان بامتياز.
سليم مسك كاس المية وضغط عليه، وقال بصوت مسموع للكل ببرود يذبح:
— صفقة؟ فعلاً هي صفقة ناجحة جداً. أصل نور شاطرة أوي في الحسابات، عارفة بالظبط إمتى تبيع وقتها ومجهودها، وعارفة إن السعر اللي دفعته فيها مكنش قليل.. مش كدة يا نور؟
المعازيم سكتوا، والنظرات كلها اتوجهت لنور اللي وشها جاب ألوان. سليم كمل وهو بيوجه كلامه للفراغ بس قاصدها هي:
— هي هنا وظيفة، بتعتني بيا مقابل مرتب شهري محترم وشيكات اتصرفت لأهلها. فيعني، مفيش داعي للرومانسية اللي بتمثلها دي، كملي شغلك وهاتي المشروبات للضيوف وأنتي ساكتة.
نور حست بكسرة قلبها بتسمع في ودنها، بس مسحت دمعة كانت هتنزل وقربت منه وهمست في ودنه بحيث هو بس اللي يسمع، بس بنبرة قوية:
— أنا فعلاً قبضت التمن يا سليم.. بس التمن كان إني أعيش مع واحد ميت زيك. والخدمة اللي هعملها دلوقتي مش عشان الفلوس، عشان أثبتلك إنك رغم كل فلوسك، لسه شحات.. شحات مشاعر.
سابت الصينية من إيدها بغضب، وطلعت تجري على السلم وهي بتعيط. سليم رغم إنه مش شايف، بس سمع صوت شهقتها اللي حاولت تكتمها، وحس بوجع غريب في صدره لأول مرة، وكأن الخنجر اللي ضر*بها بيه رد في قلبه هو.
واحد من أصحابه قاله:
— مكنش له لزوم كدة يا سليم، البنت باين عليها بجد خايفة عليك. مايا خالد
سليم رد بصوت خشن وهو بيحاول يداري ارتباكه:
— محدش بيدفع ملايين في حد عشان يخاف عليه.. كله بتمنه.
بس الحقيقة إنه من جواه كان بيغلي؛ ليه كلامها وجعه؟ وليه حس إن الفيلا بقت أضيق لما هي مشيت من جنبه؟





