نور وسليم

الهدوء اللي ساد الفيلا بعد الليلة دي كان ألعن من العواصف. سليم كان فاكر إن كسر كبرياء نور هيريح الوحش اللي جواه، بس اللي حصل كان العكس تماماً.
مرت تلات أيام، وسليم حاسس إنه مسجون في زنزانة انفرادية. نور موجودة، بس نور مش هنا.
في اليوم الرابع الصبح، سليم كان قاعد في الليفينج، وسامع صوت حركة خفيفة ومنتظمة.
— نور؟
ردت بصوت رسمي خالي من أي روح:
— أيوة يا سليم بيه. القهوة بتاعتك على التربيزة، ومواعيد الدوا كمان عشر دقايق. محتاج حاجة تانية؟
سليم كشّر، الكلمة وجعته في . سليم بيه؟ دي كانت بتناديه باسمه حاف عشان تستفزه.
— فين ريحتك؟ سأل فجأة من غير ما يفكر.
نور استغربت للحظة بس ردت بجمود:
— بطلت أحط برفيوم في ساعات العمل. مش إنت قلت إني هنا موظفة؟ الموظفين مابيدلعوش في الشغل.
سليم قبض على إيد الكرسي وقال بضيق:
— طب واقفه بعيد ليه؟ قربي عدلي المخده دي.
نور قربت، بس كانت حريصة إن حتى أطراف صوابعها ماتلمسش كتفه. عدلت المخدة بسرعة ورجعت خطوتين لورا.
الفيلا بقت أشبه بالقبر. سليم مكنش قادر يواجه نفسه ولا يواجه احتياجه ليها، فقرر يهرب.
سليم سافر مع عمر ابن عمه فجأة، من غير حتى ما يودع نور. ساب لها ورقة واحدة مكتوب فيها بخط مهزوز: مش محتاج شفقتك.. التمن اللي قبضتيه كفاية وزيادة. خليكي في الفيلا لحد ما أرجع، أو امشي لو ده هيريحك.
نور فضلت شهرين في الفيلا، كانت بتم*وت في اليوم مية مرة. مكنتش عارفة هو فين ولا بيعمل إيه، بس حبها كان أقوى من كرامتها اللي اتجرحت. كانت كل يوم تدخل أوضته، ترتب مخدته، وتشم ريحته في لبسه، وتدعي إنه يرجع.. حتى لو هيفضل وحش.
في يوم عاصف، الباب اتفتح ودخل سليم وساند على عمر. كان لابس نضارة سوداء تقيلة، وحركته كانت أبطأ وأصعب من الأول.
نور جريت عليه، ودموعها سبقتها:
— سليم! إنت جيت؟ قلبي كان حاسس إنك راجع.
سليم رد ببرود، وهو بيبص بعيد عنها تماماً:
— جيت عشان دي بيتي يا نور. وعمر حكى لي إنك مسبتيش الفيلا.. وده معناه إنك لسه متمسكة بالاتفاق اللي بينا.
نور اتصدمت من جفاوته، بس قالت بصبر:
— أنا متمسكة بيك إنت يا سليم، مش بالاتفاق.
عمر اتدخل عشان ينهي التوتر:
— سليم محتاج راحة يا نور، الدكتور في ألمانيا أكد إن حالته مستقرة بس مفيش أمل في نظره حالياً. اهتمي بيه.
هزت رأسها وسندته وصلته لغرفته وساعدته لحد ما نام بعد ساعة دخلت تشوفه وتملي عينيها منه
كان ممدد على السرير، عيونه مقفولة، ونفسه منتظم جداً لدرجة تخلي أي حد يحلف إنه غرقان في سابع نومة. نور دخلت الأوضة بخطوات زي الهمس، قفلت الباب وراها وراحت وقفت جنب السرير.
انحنت عليه، ولمست طرف شعره بصوابع بتترعش، وهمست بصوت مكسور:
— يا ريتك كنت صاحي وشايفني يا سليم.. عشان تعرف إن اللي باقية جنبك دلوقتي مش الصفقة، دي نور اللي حبتك وأنت وحش، واللي مستعدة تفضل خدامة تحت رجلك بس ترجع تفتح عينك وتشوف الدنيا تاني.
اتنهدت بوجع، وقامت عشان تستعد للنوم جنبه وحشها ريحته وأمانه جنبها و عشان تكون قريبة لو احتاج حاجة بليل. وقفت قدام مراية الدولاب الكبيرة اللي في وش السرير بالظبط، وبدأت بكل عفوية وتلقائية تفك زراير قميصها عشان تبدله ببيجامة مريحة.
الأوضة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت احتكاك القماش وصوت دقات قلبها. وهي بترفع إيدها عشان تلم شعرها، عينيها جات بالصدفة على انعكاس السرير في المراية.
هنا الدنيا وقفت.. والزمن اتجمد.
نور شافت في المراية إن سليم مش نايم. سليم كان فاتح عينيه بالكامل، ورافع راسه حاجة بسيطة عن المخدة، وعينيه كانت مركزة عليها بجراءة مرعبة، بيبص على كل تفصيلة في جسمها وفي ملامحها بنظرة حادة وصافية، خالية تماماً من أي عجز أو عمى.
نور اتجمدت وإيدها لسه فوق شعرها. حست ببرودة بتمشي في جسمها كله. لفت ببطء وهي مش مصدقة، بصت له مباشرة.. لقت عينيه لسه ثابتة عليها، ومرفش لحظة واحدة.
نور همست بصوت يكاد يكون مسموع من الصدمة:
— إنت.. إنت شايفني؟
سليم ببطء شديد، قام قعد على السرير، وعينيه لسه محاصراها ومسجونة فيها. اتكلم بصوت رجولي، هادي، وواثق لدرجة تخوف:
— شايفك يا نور.. من أول ما دخلتي الأوضة، لحد ما وقفتي قدام المراية.. وشايف كمان إن الحب اللي كنتي بتهمسي بيه ده، طلع حقيقي بزيادة لدرجة إنك مخدتيش بالك إن الوحش مكنش نايم، كان بيتمتع بأجمل منظر شافه من يوم ما رجع له نظره.
نور غطت نفسها ببيجامتها بسرعة وهي بتترعش، ودموع الصدمة والمهانة بدأت تنزل:
ليه طب ليه انا الوحيدة اللي بتمنى لك الخير وأنك ترجع تشوف ليه خبيت عني وحرمتني أن أسندك..
وقفت ثواني تخبط بايديها جبهتها وتضحك بسخرية: صح نسيت أحنا أتفاقية وبم أنك رجع بصرك يعني أنا كدة خلصت مهمتي أنا أسفة ياسليم بيه لو صدر مني تصرف غير لائڨ
هلم هدومي وهمشي حالا…
سليم قام من على السرير، وخطى خطوات واسعة وثابتة لحد ما بقى قدامها بالظبط
ضغط على كتافها أكتر، وعينيه كانت بتلمع بحدة غريبة وهو بيبص في عينيها اللي غرقانة بالدموع. صوته كان واطي بس فيه نبرة تملك تخوف:
— تمشي تروحي فين؟ أنتي فاكرة إن الخروج من مملكة سليم البدراوي بالسهولة دي؟ وبعدين أنتي اللي قلتيها بلسانك.. إحنا اتفاقية، والاتفاقية دي أنا اللي بحدد نهايتها، مش أنتي.
نور بصت له بصدمة، وضحكت وسط دموعها بسخرية:
— اتفاقية إيه يا سليم؟ أنت رجع لك بصرك خلاص، يعني مش محتاج ممرضة، ولا محتاج حد يسندك، ولا محتاج تتفرج على حد وهو مش واخد باله. اللعبة خلصت، كفاية بقى ذل لحد كدة!
سليم قرب وشه منها لدرجة إن أنفاسه بقت بتحرق بشرتها، وقال بهمس مرعب:
— بالعكس يا نور.. اللعبة لسه بتبدأ. كنتي بتسأليني خبيت عليكي ليه؟ خبيت عشان كنت عايز أشوفك حقيقية، من غير أقنعة، وفعلاً شفت.. شفت واحدة أنا نفسي مش قادر أسيطر على رغبتي في إنها تفضل قدامي طول الوقت. لو كنت قلت لك إني شفت، كنتي هتتغيري، كنتي هتعملي حساب لكل حركة، وأنا كنت عايز نور اللي على طبيعتها.. اللي بتغير هدومها بعفوية، واللي بتهمس بحبها في الضلمة.
نور زقته بكل قوتها وصرخت فيه:
— إنت مريض يا سليم! إنت استبحت خصوصيتي وكسرتني عشان تتأكد من مشاعري؟ أنا مش همشي عشان الاتفاقية، أنا همشي عشان مش قادرة أبص في وشك وأنا شايفة الغدر ده كله في عينيك.
لفت عشان تمشي، بس سليم في ثانية كان لافف دراعه حول وسطها وسحبها لصدره بقوة، ومنعها من الحركة تماماً. همس في ودنها بصوت خشن:
— مفيش خروج يا نور. أنتي شفتي الوحش وهو أعمى، ودلوقتي لازم تشوفي الوحش وهو شايف.. والمرة دي، أنا مش هكتفي إني أراقبك من بعيد أو من ورا مراية.. المرة دي أنتي ملكي، وبالقانون وبالاتفاق، وبالأمر الواقع.الفيلا بقت عاملة زي ساحة قتال باردة. سليم رجع يمارس حياته، بقى يلبس أحسن بدله، يتحرك ببريستيجه، وعينه مابتنزلش من على نور. أما نور، فقررت إنها مش هتكون الضحية.. هتعامله بـ البرود القاتل.
سليم قاعد بياكل بكل ثقة، وعينه مركزة على نور اللي قاعدة قدامه وبتقلب في طبقها بملل.
سليم بصوت رخيم:
— الأكل ماله يا نور؟ ملمستيش الشوكة.
نور رفعت عينها وبصت له ببرود جمد المية في الكوباية:
— أصل الموظفة اللي جوايا مش جاية لها نفس تاكل مع صاحب الشغل.. عندك مانع يا سليم بيه؟
سليم ضغط على السكينة في إيده وقال بهدوء مستفز:
— بلاش النغمة دي.. أنا اعتذرت بطريقتي. وبعدين أنا جبتلك عقد ألماس النهاردة، شفتيه؟
نور ضحكت بسخرية ورمت الشوكة من إيدها:
— شفت الكيس اللي مرمي على السرير.. فاكر إنك لما تفتح عينك وتشوف العقد وهو بيلمع، إن ده هينور السواد اللي عملته؟ أنا مش فازة في بيتك هتلمعها بالألماظ يا سليم. أنا بني آدمة، وإنت يوم ما اتفرجت عليها وهي فاكرة إنك غلبان.
سليم قام وقف وقرب منها، مال على السفرة وهمس:
— طب ما أنتي لسانك طويل أهو وبتردي.. فين نور الرقيقة اللي كانت بتمسح على شعري وتدعي لي؟
نور قامت وقفت قدامه، وبكل جراءة قربت من وشه وقالت بصوت واطي ومستفز:
— ماتت.. ماتت يوم ما الوحش فتح عينه. دلوقتي فيه نور تانية، اللي مش هتشوف منها غير الواجب اللي في العقد وبس. ولو فكرت تقرب مني يا سليم، هتكتشف إن الضلمة اللي كنت عايش فيها كانت أرحم بكتير من اللي هعمله فيك وأنا شايفة.
سليم مسك إيدها فجأة ولفها ورا ضهرها وسحبها ليه، وبص في عينيها بتحدي:
— بقى كدة؟ بتتمردي يا نور؟





