نور وسليم

نور ميرضيتش تسكت، راحت وراه المكتب ورزعت الباب وراها:
— إنت إزاي تكلمني كدة قدام الموظفين؟ وإيه الرفد ده؟ إنت بتنتقم مني عشان وافقت أشتغل عندك؟
سليم كان قاعد ورا مكتبه الفخم، قلع النضارة وبصلها ببرود مرعب:
— مش أنتي اللي قلتي موظفة زيي زي غيري؟ أنا في الشركة معنديش نور، عندي مهندسة غلطت ولازم تتحاسب. وبعدين، لو مش قد الحمل يا نور، ارجعي الفيلا واقعدي في البلكونة اشربي قهوتك.. الشغل ده للوحوش اللي زيي، مش للبنات اللي بتزعل من كلمة.
نور قربت من مكتبه، ساندت بإيدها وبصت في عينه مباشرة بتحدي ولعت فيه الدنيا:
— تمام يا سليم بيه.. الملف هيرجع لك النهاردة، وهيكون أحسن تصميم شفته في حياتك. بس ساعتها، أنا اللي هرفض أشتغل معاك، وهتدور عليا ومش هتلاقيني.
سليم قام وقف، وقرب منها لحد ما أنفاسهم اتقابلت، وهمس بصوت خشن:
— لو التصميم عجبني.. ليكي عندي مكافأة مكنتيش تحلمي بيها. ولو معجبنيش.. هتنفذي كل اللي هقولهولك في البيت من غير شروط ولا تمرد. قلتي إيه؟
نور بصرامة:
— قبلت التحدي.
سليم فضل واقف مكانه يراقبها وهي خارجة، والابتسامة الوحشية رجعت لوشه تاني. هو كان قاصد يضغط عليها عشان يشوف الشرارة اللي في عينيها، ولأنه مبيعرفش يروضها غير بالنار.
الساعة دخلت على واحدة بعد نص الليل، والشركة كلها كانت عبارة عن سكون تام، ما عدا مكتب واحد في الدور الأخير كان النور فيه لسه شغال.. مكتب نور.
نور كانت قاعدة وشعرها ملموم بعشوائية، والقهوة جنبها بردت، وعينيها كانت مجهدة جداً وهي بتحرك القلم على الماكيت الورقي واللوحات الهندسية. كانت بتسابق الزمن عشان تثبت لـ سليم البدراوي إنها مش مجرد صفقة ولا مجرد وجه جميل.
فجأة، حست بظل طويل غطى على اللوحة اللي قدامها. قلبت ريقها بصعوبة ولفت.. كان سليم.
كان قلع الجاكيت وشمّر كمام قميصه الأبيض، وشكله كان فيه هيبة تخوف وتجذب في نفس الوقت. وقف يراقبها ببرود وهو حاطط إيده في جيبه، وبعدين قرب وبص على اللوحات بتركيز.
نور بجمود وتعب:
— لسه الساعة مجاتش 8 الصبح يا سليم بيه.. الملف لسه مخلصش.
سليم مردش، مد إيده وخد اللوحة الأساسية وبدأ يبص فيها بتمعن. نور كانت مراقبة عينه وهي بتتحرك على الرسومات، وقلبها كان بيدق بسرعة. سليم سكت فترة طويلة، وبعدين حط اللوحة مكانه وبصلها بنظرة نور معرفتش تفسرها.
سليم بصوت خشن وهادي:
— التعديل اللي عملتيه في المدخل.. والزاوية دي.. إزاي فكرتي فيها؟
نور رفعت راسها بتحدي:
— فكرت فيها بعقلي، مش بالخوف من تهديداتك. التصميم ده بيوفر مساحة وميزانية، وفي نفس الوقت بيدي شكل جمالي. ها.. لسه عايز ترفدني؟
سليم قرب منها ببطء، لدرجة إن الكرسي اللي هي قاعدة عليه خبط في المكتب. حط إيده الاتنين على المكتب وحاصرها، ومال عليها لحد ما بقت عينه في عينها.
سليم بهمس وحشي بس فيه نبرة إعجاب مكسورة:
— الرفد كان مجرد طعم يا نور.. كنت عايز أشوفك وإنتي بتعافري، كنت عايز أخرج المهندسة اللي جواكي. والظاهر إنك مش بس شاطرة في ترويض الوحوش، أنتي كمان شاطرة في إنك تخليني أنبهر بيكي غصب عني.
نور حاولت تبعد نظرها عنه وقالت بصوت مهزوز:
— أنا تعبانة يا سليم، وعايزة أروح.
سليم مد إيده وببطء شديد لمس خصلة شعر نازلة على وشها، وحطها ورا ودنها. لمسة إيده كانت دافية عكس بروده المعتاد.
سليم بصوت واطي جداً:
— قومي.. الشغل خلص. وأنا اللي هسوق بيكي.
نور:
— سواقينك بره، وأنا معايا عربيتي.
سليم قبض على طرف المكتب وقال بصرامة رجعت له في ثانية:
— قلت أنا اللي هسوق.. ومفيش نقاش. الوحش مش بس بيرجع له بصره، الوحش كمان بيعرف يحمي أغلى حاجة عنده لما الدنيا تليل والكل ينام.
نور بصت له وسكتت، حست إن في اللحظة دي، سليم مش بيمثل القوة، سليم بجد خايف عليها، بس بطريقته الناشفة. قام سحب شنطتها من على الكرسي ومسك إيدها وخرج بيها من الشركة اللي كانت خالية تماماً، وكأن العالم كله اتقفل عليهم هما الاتنين بس.
سليم كان بيسوق بهدوء غير عادته، والجو جوه العربية كان مشحون بصمت ثقيل بس مريح. نور كانت ساندة راسها على الشباك، مجهدة، وعينيها بتقفل من التعب، بس لسه صاحية.
سليم كسر الصمت وصوته كان واطي، كأنه بيكلم نفسه:
— عارفة يا نور.. وأنا أعمى، كنت برسم ليكي صورة في خيالي. كنت متخيلك رقيقة، هادية، ممرضة بتنفذ الأوامر وبس. بس لما فتحت عيني، لقيت قدامي إعصار. لقيت واحدة بتقاوح، وبترد الكلمة بعشرة، وبتسهر لحد نص الليل عشان تثبت إنها مش محتاجة حد.
نور لفت له وبصت لبروفايل وشه الحاد وهو مركز في الطريق:
— وإنهي صورة عجبتك أكتر؟ الممرضة الضعيفة.. ولا الإعصار؟
سليم لف لها نظرة سريعة وخاطفة، وعينه لمعت بصدق:
— الممرضة كانت بتحسسني بضعفي، لكن الإعصار ده.. هو اللي خلاني أحس إني لازم أكون أقوى عشان أقدر أجاريكي. أنتي النهاردة في الشركة كسبتي احترامي يا نور، وده أصعب حاجة ممكن حد ياخدها من سليم البدراوي.




