نور وسليم

سليم زقها على الباب وحاصرها بدراعاته، وعينيه كانت حمرا من كتر الغيرة:
— أنتي إزاي تسمحي له يمسك إيدك؟ وإزاي تضحكي له كدة قدام الناس؟ أنتي عايزة تجنيني يا نور؟
نور رفعت وشها ليه بكل كبرياء، وقالت بنبرة قطعت أنفاسه:
— مالك يا سليم؟ مش إنت اللي بدأت اللعبة مع شاهي؟ أنا بس حبيت أوريك إن الوحش لما بيفتح عينه، مبيكونش هو الوحيد اللي بيشوف.. أنا كمان بقيت شايفة قيمتي كويس، وشايفة إن فيه ألف واحد يتمنوا بس نظرة مني. إنت اخترت تكون اتفاقية، يبقى ملكش دعوة أنا بكلم مين.
سليم خبط بإيده على الباب وراها بصوت عالي:
— لا ليا دعوة! أنتي ملكي يا نور.. فاهمة يعني إيه ملكي؟ أنا مش بس رجع لي نظري، أنا رجع لي أنيابي، ومستعد أقطع لسان أي حد ينطق اسمك، وأهد الدنيا لو حد فكر يلمس طرف فستانك!
نور قربت منه أكتر، ولأول مرة حست برعشة إيده من كتر غضبه، وقالت بهمس مستفز:
— ده حب ولا حب تملك يا سليم؟ ولا خايف الصفقة تضيع منك؟
سليم بصلها بنظرة كلها وجع واحتياج وقال بصوت مكسور:
— دي لعنة يا نور.. أنتي اللعنة اللي خلتني أغمض عيني وأحبك، وأفتح عيني وأم*وت من الغيرة عليكي.
سليم مكنش قادر يستحمل فكرة إن نور ممكن تكون لغيره، أو إن جمالها اللي كان هو بس بيتمتع بيه في الضلمة، بقى متاح لكل العيون. الغيرة كانت بتنهش في قلبه لدرجة إنه قرر ياخد خطوة جنونية تكسر كبرياءها وتجبرها تعترف إنها لسه ملكه.
سليم شد نور من إيدها وهو لسه في قمة غضبه، وخرج بيها من المكتب وسط الحفلة. الكل سكت والنظرات كلها اتوجهت ليهم. سليم مكنش شايف حد، كان سحبها وراه لحد البيانو الكبير اللي في نص القاعة.
وقف سليم وبص للمعازيم وبصوت جهوري هز المكان قال:
— يا جماعة، الحفلة دي مش بس عشان بصري رجع.. الحفلة دي عشان أعلن قدامكم إن نور مش مجرد زوجة، نور هي القرار الوحيد اللي مش مسموح لأي حد في الدنيا يناقشني فيه. وأي حد، وأكرر أي حد، هيفكر بس يقرب من حدودها، يجهز نفسه للحرب معايا.
نور كانت واقفة مذهولة، وشها أحمر من الكسوف والغضب، همست له:
— إنت بتعمل إيه يا سليم؟ إنت بتفضحنا!
سليم لفت لها وبص في عينيها قدام الكل، ومسك إيدها اللي مازن باسها، وطلع منديل من جيبه ومسح مكان بوسة مازن بعنف وكأنه بيمحي أثره، وقال بصوت مسموع:
— بمسح القرف اللي حصل بره.. وأي حد لمسك بالنظر، أنا هحاسبه بعدين.
فجأة، وبدون مقدمات، سليم شالها بين إيديه شيلة عروسة وسط ذهول وشهقات المعازيم. نور بدأت تخبط في صدره:
— نزلني يا سليم! الناس بتبص علينا.. إنت اتجننت؟
سليم وهو طالع بيها السلم بخطوات ثابتة وواثقة، بص لها وقال بابتسامة وحشية ومنتصرة:
— أنا اتجننت من يوم ما شفتك بالمراية يا نور.. ومن النهاردة، مفيش حفلات، ومفيش مازن، ومفيش حد يشوفك غيري. إنتي أسيرة الوحش، بس المرة دي وعينه مفتوحة.
دخل بيها الأوضة ورزع الباب برجله، وحطها على السرير ببطء وهو لسه محاصرها بجسمه. نور كانت بتنهج، وعينيها مليانة دموع وتحدي في نفس الوقت:
— إنت فاكر إنك بكدة كسبت؟ إنت كدة خسرتني بجد يا سليم. القوة مش في إنك تشيلني قدام الناس، القوة في إنك كنت تخلي قلبي هو اللي يجيلك.
سليم سكت للحظة، ونظرته الحادة بدأت تضعف وتتحول لوجع حقيقي، قرب من ودنها وهمس بصوت مكسور:
— وقلبي اللي كان بيمو*ت من الغيرة وأنا شايفك بتضحكي لغيري؟ أعمل فيه إيه؟ أنتي كنتي بتعاقبيني يا نور.. ووجعتيني أكتر بكتير من الضلمة اللي كنت فيها.
نور سكتت، حست بصدق كلامه، بس كرامتها كانت لسه بتنزف:
— إنت اللي بدأت يا سليم.. إنت اللي استغليت ضعفي وعيني اللي كانت بتدور عليك في كل ركن.
سليم مسك إيدها وحطها على قلبه اللي كان بيدق بجنون:
— طب اسمعي ده.. ده مش بيدق عشان صفقة. ده بيدق عشان خايف تضيعي منه. أنا فعلاً وحش، ومش بعرف أحب غير بطريقة التملك، بس وحياة دموعك اللي غسلت قلبي، أنا ما شفت حد في الدنيا بجمالك ولا بنقاء قلبك.
نور بدأت تضعف قدام نظراته اللي بقت عطشانة ليها بجد، وقبل ما ترد، سليم سحبها لحضنه بقوة، وكأنه بيخبيها من الدنيا كلها جوه ضلوعه.
في الصباح التالي، سليم صحي لقى نور قاعدة في البلكونة بتشرب قهوتها بمنتهى الهدوء، ولابسة لبس خروج شيك جداً.
سليم استغرب وقرب منها وهو بيعدل قميصه، وقال بنبرة لسه فيها حب تملك:
— على فين الصبح كدة؟ مفيش خروج من غير ما أعرف.
نور بصت له ببرود وخدت رشفة من قهوتها وقالت:
— أولاً، صباح الخير يا سليم بيه. ثانياً، أنا مش بستأذن، أنا بعرفك. أنا نازلة أدور على شغل، وهرجع في الميعاد اللي يريحني.
سليم عروق جبهته ظهرت، ووقف قدامها مباشرة:
— شغل إيه؟ أنتي نسيتي إنتي مين؟ أنتي حرم سليم البدراوي، مش مسموح ليكي تخرجي تشتغلي عند حد!
نور قامت وقفت قدامه وبكل ثقة، عدلت له ياقة قميصه وقالت بابتسامة مستفزة:
— لا يا سليم، أنا نور اللي كنت بتقول عليها صفقة وموظفة. وبما إن الصفقة خلصت بنظرك اللي رجع، فأنا محتاجة أثبت كياني بعيد عن فلوسك وقصرك. وده أول شرط لو عايزني أفضل موجودة في البيت ده.
سليم قبض على إيده وقال بصوت مكتوم:
— وشروط إيه تاني يا ست نور؟
نور رفعت صباعها وبدأت تعد:
— واحد: الخصوصية. أوضتي خط أحمر، تدخل بإذن وتخرج بإذن.
اتنين: المراقبة والتحكم يخلصوا. مفيش حاجة اسمها ممنوع ومملكتي والكلام ده.
تلاتة وده الأهم: لو فكرت تستخدم عيونك دي عشان تكسرني أو تراقبني من ورايا تاني.. اعتبر إن نور ماتت بالنسبة لك للأبد.
سليم ضحك بسخرية:
— أنتي بتلوي دراعي يا نور؟ فاكرة إن الوحش هيرضى بطلباتك دي؟
نور قربت من ودنه وهمست:
— الوحش دلوقتى بقى بيشوف يا سليم.. وشايف كويس أوي إنه من غيري ضلمة. جرب ترفض، وشوف مين فينا اللي هيتوجع أكتر.
سليم فضل واقف مكانه، مراقبها وهي بتلم شنطتها وماشية بكل كبرياء. لأول مرة في حياته، يحس إنه مهزوم بس بمتعة غريبة. القوة اللي في عينيها كانت بتجذبه أكتر من ضعفها زمان.
سليم فضل طول اليوم قاعد على أعصابه، بيفتح الساعة كل دقيقة. الساعة بقت 9 بليل ونور لسه مجاتش. الوحش اللي جواه كان عايز يكسر البيت، بس افتكر شروطها.
لما دخلت نور، لقت سليم قاعد في الصالة والضلمة محاوطاه، بس المرة دي هو قاصد يقعد في الضلمة.
نور استغربت:
— قاعد في الضلمة ليه يا سليم؟ النور مقطوع؟
سليم قام وقف، وقرب منها ببطء، وكان باين عليه التعب والارتباك:
— كنت بجرب إحساسي زمان.. اكتشفت إن الضلمة الحقيقية مش في عيني، الضلمة في البيت وأنتي مش فيه. أنتي اتأخرتي ليه؟
نور كانت لسه هترد بعنف، بس شافت في عينيه نظرة رجاء مكسورة لأول مرة، فقالت بهدوء:
— كنت بخلص إجراءات الشغل، وهبدأ من الأسبوع الجاي.
سليم مسك إيدها، والمرة دي مكنش بيلويها، كان بيمسكها بحنان:
— أنا موافق على كل شروطك يا نور.. بس بشرط واحد هتشتغلي في شركتي.
مش أنتي عايزة تشتغلي وتثبتي كفاءتك؟ شركة المعماري بتاعتي عندها أكبر مشروع في العاصمة الإدارية، والمكتب اللي ماسك التصميم مستواه مش عاجبني. الشركة شركتك، والمشروع قدامك.. وريني البشمهندسة نور هتعمل إيه، ولا هي كانت مجرد خناقة وخلاص؟
نور بصت للملف بتحدي وقالت:
— موافقة.. بس بشرط. في الشركة أنا موظفة زيي زي غيري، مفيش سليم بيه يتدخل في شغلي، ومفيش معاملة خاصة قدام الموظفين. لو وافقت، هبدأ من بكرة.
سليم ابتسم ابتسامة جانبية غامضة:
— موافق.. بس جهزي نفسك، لأن سليم البدراوي في الشغل مبيعرفش لا حب ولا اتفاقيات، الغلطة عندي بفورة.
أول يوم في الشركة
نور وصلت الشركة، وانبهرت بالنظام والسيطرة اللي سليم فرضها على كل ركن. سليم كان ماشي وسط الموظفين زي الإمبراطور، الكل بيتحاشى يبص في عينه من هيبته.
نور استلمت مكتبها، وبدأت تشتغل بجدية. في نص اليوم، سليم دخل المكتب ومعاه وفد من المهندسين الكبار. وقف قدام مكتبها وبص للتصاميم اللي قدامها بنظرة فاحصة وباردة جداً.
سليم بصوت عالي وناشف قدام الكل:
— إيه العك ده يا بشمهندسة؟ التصميم ده فيه غلطة في توزيع المساحات، إحنا مش بنبني بيت عرايس، إحنا بنبني مشروع بمليارات. الملف ده يتمسح ويبدأ من الأول، ومعاكي لآخر اليوم، وإلا اعتبري نفسك مرفودة قبل ما تبدأي.
الموظفين كلهم اتصدموا، ونور وشها جاب ألوان من الإحراج والغضب. سليم سابها وخرج من غير ما يبص وراها.





