حكايات مني السيد 2

القاعة كلها قامت تسقف بحرارة. التصفيق كان رنان، صوته بيملا المكان ويدخل جوه شراييني يدوب أي ألم قديم. طلعت على المسرح بخطوات واثقة، استلمت درع التكريم، وبصيت في وجوه الناس، وابتسمت ابتسامة واحدة صافية من غير أي حقد أو غل، ابتسامة انتصار حقيقي مش على حد، بل انتصار على ضعفي القديم.

بعد انتهاء الحفلة، نزلت للجراج عشان أركب عربيتي الجديدة، عربية جيب شيري كنت مطلعاها زيرو بعد المكافأة الضخمة اللي نزلتلي مع الترقية ونسبة الأرباح.

وأنا بقرب من العربية في هدوء الجراج الواسع، لمحت خيال طالع من ورا عمود خرساني. وقفت مكاني فوراً، وإيدي على شنطتي جاهزة أطلب أمن الفندق.

—مريم..

الصوت كان مكسور، طالع من

حنجرة مدمرة، كأنه جاي من قاع بير. طلع مازن من ورا العمود. اتسمرت في مكاني لحظة عشان استوعب الشخص اللي قدامي. مكنش مازن بتاع زمان، المغرور اللي لابس دايماً قمصان مكوية وعامل تسريحة شعره بعناية وبيتكلم بنفخة كدابة. كان شخص تاني خالص.. دبلان، وشه مصفر وعينيه غايرة لجوه، دقنه مش محلوقة بطريقة عشوائية ومهموشة، لابس بلوفر قديم مش مناسب لحجمه وواسع عليه بعد ما خسر نص وزنه تقريباً، وبنطلون جينز متبهدل.
كان طالع بكفالة من أسبوعين بس، بعد ما عيلته باعت أرضهم في الشرقية عشان يسددوا جزء من الاختلاس للشركة ويتنازلوا عن الشق المدني، لكن القضية الجنائية لسه كانت متسجلة، وسمعته في السوق المهني بقت تراب؛ مفيش شركة في مصر كانت تقبل توظفه ولا حتى كمتدرب بعد التعميم اللي اتعمل في الغرفة التجارية ونقابة المهندسين.

—إنت بتعمل إيه هنا؟ —سألته بصوت هادي جداً، مفيش فيه لا خوف ولا غضب، بس صرامة تلجم أي تطاول.

مازن قرب خطوتين وعينيه بتبص في الأرض، إيديه كانت بتترعش: —مريم.. وقفت هنا تلات ساعات مستنيكي تخرجي. شوفتك على الشاشات الكبيرة في اللوبي وإنتِ بتتكرمي.. كان المفروض نبقى واقفين هناك سوا. ده كان حلمنا إحنا الاتنين.

ضحكت بهدوء، رفعت المفتاح الذكي وفتحت قفل العربية اللي أنوارها نورت في الضلمة: —حلمنا؟ لا يا مازن، ده كان شغلي أنا، وحلمي أنا اللي كنت بتسرقه مني وبتجيره لحسابك. إنت كان حلمك شاليهات دهب مع نهى، وفواتير مضروبة، وساندوتشات كفتة رخيصة في وادي دجلة.

مازن عيونه دمعت، ووقع على ركبه على أرضية الجراج الخرسانية الباردة، وبدأ يتوسل بطريقة تثير الشفقة والاشمئزاز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *