حكايات مني السيد 2

في نفس الوقت: —أنا اتدمرت يا مريم! أهلي فلسوا، وباعوا اللي وراهم واللي قدامهم عشان يخرجوني بكفالة.. نهى رمت كل حاجة عليا في التحقيقات وجابت محامين كبار من ورايا، وسافرت بفيزا مزورة على دبي وسابتني أشيل الليلة لوحدي.. مفيش شركة بتقبل تديني انترفيو، أصحابي كلهم عملولي بلوك، أنا بشحت يا مريم! كلمي فريد بيه يسحب البلاغ النهائي قبل جلسة الحكم الأسبوع الجاي.. هتحبس خمس سنين مع الشغل والنفاذ! عشان خاطر الخمس سنين اللي عشناهم، عشان خاطر العشرة!
بصيت له من فوق لتحت. مكنش في قلبي شماتة، لكن كان فيه عدالة إلهية واضحة وضوح الشمس. —العشرة اللي إنت دوست عليها برغيف كفتة قدام عيون زمايلنا؟ العشرة اللي بعتها عشان شوية مظاهر ونصب وسرقة من حساب عروسة كانت شايلاك فوق كتافها؟ عايزني أكلم أستاذ فريد؟ أقوله إيه؟ أقوله اتفضل سامح الحرامي عشان كان خطيبي؟ القانون بياخد مجراه يا مازن، واللي بيزرع شوك مبيحصدش قمح. إنت مش مظلوم، إنت بس بتدفع فاتورة كل لقمة كلتها في حق غيرك، وكل كدبة استغفلت بيها واحدة كانت مأمناك على بيتها ومستقبلها.
—أنا لسه بحبك.. —قالها بصوت مخنوق وهو بيحاول يمسك في طرف عبايتي أو حذائي— والله العظيم عمري ما حبيت نهى، كانت مجرد نزوة وطمع وعين فارغة.. أنا لسه فاكر كل تفصيلة فيكي، مريم، اديني فرصة تانية نبدأ من الصفر، لو هشتغل عندك سواق، بس متبعديش!
رجعت خطوة لورا بحزم، وبصيت له بنظرة قطعت آخر حبل وهم كان ماسك فيه: —الحب اللي يذل صاحبه مش حب، والاستغفال اللي باسم الأمانة ده اسمه خسة. إنت مبتحبش غير نفسك يا مازن، وحتى نفسك معرفتش تحبها صح ودوديتها
في داهية. وقفتك دي ملهاش أي معنى، ووجودك هنا تعدي أمني، لو ما وقفتش ومشيت في ظرف دقيقة واحدة، هنده الأمن يسلموك للقسم وينفذوا فيك أمر الضبط فوراً.
مازن سند بإيده على ركبه وقام ببطء، ظهره محني كأنه راجل في السبعين من عمره. بص في عينيا، وشاف فيهم حيطة سد مفيهاش أي ثغرة ممكن ينفذ منها. مسح دموعه بكم بلوفره المبهدل، ووطى راسه، ومشي يجر رجليه في الضلمة بتاعت الجراج لحد ما اختفى من غير ما ينطق ولا كلمة تانية.
فتحت باب عربيتي وركبت. قفلت الباب، سمعت صوته وهو بيترزع بهدوء وفخامة، عازلاً كل دوشة الدنيا وكل أشباح الماضي برة. شغلت الموتور، وحطيت إيدي على الدركسيون، وبصيت على نفسي في المراية الداخلية. كانت عنيا بتلمع، صافية وقوية، مفيهاش ذرة ندم، ومفيهاش دمعة واحدة محبوسة. طلعت من الجراج، وخدت كورنيش النيل في طريقي للمعادي. نسمة الهوا الباردة كانت داخلة من الشباك، ريحة الياسمين اللي على الكورنيش، ونور الفوانيس اللي عاكس على المية الهادية.





