طلقت مراتي
طلقت مراتي وطردتها بره حياتي أول ما صوتها راح وبقت عاجزة حتى تتكلم جملة مفيدة، وكنت فاكر إني ارتحت من إحراج كبير كان هيفضل يلازمني.. بس تاني يوم الصبح، صحيت على رنة تليفون، واللي سمعته على الطرف التاني خلاني أفقد النطق من الرعب ويغمى عليا في مكاني!
طول عمري بحب الوجاهة والمظاهر الاجتماعية العالية. شغلي كمدير علاقات عامة علّمني إن الانطباع الأول هو كل حاجة؛ أسلوبك، لبسك، وطريقة كلامك. وعشان كده لما قررت أتجوز، كان عندي شرط واضح: شريكة حياتي لازم تكون واجهة تشرف، لبقة، ومثقفة، وصوتها وحضورها يلفتوا نظر كل الناس في أي عزومة أو مؤتمر.
دورت كتير لحد ما لقيت “فريدة”. كانت مذيعة راديو صوتها دافي يخطف القلب، وطاقتها الإيجابية وحلاوة لسانها كانوا كفاية يخلوها نجمة أي مجلس تقعد فيه. اتجوزنا، وعشت معاها سنتين هما الأجمل، كنت فخور بيها جداً، وصحابي وزملائي ديماً يحسدوني على ذكائها وحضورها الراقي وطريقتها في الكلام اللي تفتح أي باب مقفول.
لكن الأحلام مبدومش على وتيرة واحدة.
في يوم، فريدة بدأت تشتكي من بحة شديدة ومستمرة في حنجرتها. الموضوع زاد عن حده، ولما روحنا لكبار الدكاترة، اتصدمنا بوجود ورم على الأحبال الصوتية لازم يتشال فوراً. العملية نجحت في استئصال الورم، بس النتيجة كانت قاسية ومؤلمة: الأحبال الصوتية اتضررت بشكل دائم، وصوت فريدة الحلو انطفى.. بقى مجرد فحيح واطي ومبحوح بصعوبة بالغة، وأحياناً بيقطع تماماً ومبتعرفش تطلع كلمة.
من اللحظة دي، نظرتي ليها اتغيرت بالكامل.
بدل ما أكون جنبها في أزمتها، حسيت بالنفور والخنقة. مبقتش قادر أتحمل صوتها الجديد وهو طالع مكسور كأنه وشّ أجهزة، والأصعب إني بقيت أتكسف منها جداً. بطلت أعزم أي حد في بيتي، ورفضت تماماً إنها تخرج معايا في أي مناسبة تخص شغلي أو عيلتي. لما تسألني عن السبب، أتحجج بإن المكان زحمة وإنها محتاجة راحة، بس الحقيقة المرة إني كنت مرعوب من نظرات الشفقة والأسئلة اللي ملهاش لازمة: “مال صوتها؟ بقت كده ليه؟”.
فريدة حاولت تتأقلم، وبدأت تستخدم كشكول وتطبيقات على الموبايل عشان تتواصل وتكتبلي كلام حب واهتمام، بس أنا كنت بقلب عيني بضيق وأتهرب، كإني عايش مع شبح مش مع مراتي.
لحد ما جه الليوم اللي فجر البركان. كان عندي حفل التكريم السنوي في شركتي، والترقية لمنصب شريك كانت معتمدة على انطباع مجلس الإدارة وعائلاتهم. فريدة كانت فرحانة جداً باليوم ده، واعتبرته خطوة جديدة ليا وليها. دخلت عليها الأوضة لقيتها لابسة أشيك فستان ومجهزة نفسها، وماسكة كارت صغير كاتباه بخط إيدها: “مبروك يا حبيبي، فخورة بيك”.



