طلقت مراتي

بصيت للكشكول الأبيض، ولقيت صورة فريدة وهي ماسكة كشكولها الأزرق بتنط في خيالي. سبت المستشفى ورجعت على شقتي القديمة، بس مكنتش نفس الشقة، كانت متحف لذكريات بتجلد فيا ليل نهار.

مرت تلات سنين.. تلات سنين اتعلمت فيهم معنى العجز الحقيقي. بقيت أنزل السوبر ماركت كاتب طلباتي في ورقة، والناس تبصلي بنظرات تعاطف مصحوبة بابتسامة باهتة كنت زمان بشوفها إهانة، وبقت دلوقتي أقصى أمانيَّ. بعت عربيتي الغالية، وقفلت حساباتي على السوشيال ميديا، وعزلت نفسي عن دايرة معارفي القديمة كلها؛ الناس اللي كنت خايف من نظرتهم ومظهرتي قدامهم، ولا واحد فيهم كلف نفسه يسأل عني بعد ما بقيت “من غير صوت”.

في يوم جمعة، قررت أزور قبرها. دي كانت المرة الأولى اللي أجرؤ فيها أروح من بعد يوم العزا.

المقابر كانت هادية، وريحة التراب مع هواء العصر عاملة سكون غريب. قعدت على ركبي قدام الشاهد اللي مكتوب عليه اسمها، وحطيت إيدي المرتعشة على الرخام البارد.

طلعت الكشكول الأزرق بتاعها من جيبي، كان متبهدل ومتقطع من كتر ما مسكته وقريت كلامها آلاف المرات. قعدت أعيط في صمت مطبق، دموع بس من غير أي شهقة ولا صوت بكا طالع من صدري. كنت عايز أصرخ في التراب وأقولها إني بتعاقب كل يوم، وإن كل ثانية بتمر عليا في صمتي هي عقاب عادل على الثانية اللي خجلت فيها منها.

وفجأة، حسيت بإيد صغيرة بتتحط على كتفي.

اتلفتت ببطء، لقيت طفلة صغيرة عندها حوالي ست سنين، ملامحها بريئة ولابسة فستان أبيض، وفي إيدها وردة بلدي شكلها قطفاها من جنينة قريبة. الطفلة بصتلي بابتسامة صافية، ومسكت طرف كمي ومدتلي الوردة.

وراها على طول، ظهرت ست كبيرة في السن بتجري عليها بخوف، ملامحها كانت مألوفة جداً.. دي كانت خالة فريدة، بس مكنتش واخدة بالها مني في الأول.

الست أول ما عينيها جت في عيني اتجمدت، وشها اتملى غضب وألم، بس لما شافت الخرطوم الصغير اللي في رقبتي، والكشكول اللي في إيدي، ووشي الشاحب والشيب اللي ملا راسي في سن التلاتين، نظرة الغضب اتحولت لذهول وصدمة ممتزجة برحمة غريبة.

قربت من الطفلة وسحبتها براحة، وبصتلي والدموع اتجمعت في عيونها وقالت بصوت هادي يقطع القلب:

“فريدة قبل ما تسافر الليلة دي مع أبوها.. قعدت تبكي في حضني بالساعات يا كريم. مكنتش زعلانة منك ولا بتدعي عليك، كانت بتدعي ربنا يهديك ويسامحك عشان كانت عارفة إنك ضعيف وغرتك الدنيا”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *