طلقت مراتي

في ليلة من ليالي الشتا، وأنا قاعد في الصالة في الضلمة، حسيت بألم حارق في زوري. كتمت أنفاسي وافتكرته دور برد عادي، بس الألم بدأ يزيد مع كل نفس باخده، وبدأ يمتد لرقبتي وصوتي يختفي تدريجياً.

لما الألم مبقاش يُحتمل، نزلت المستشفى بنفسي الفجر. دخلت الطوارئ، والدكتور حوّلني فوراً لاستشاري أنف وأذن وحنجرة.

قعدت على نفس الكرسي اللي فريدة قعدت عليه من سنة. الدكتور دخل المنظار من مناخيري لزوري، وبدأ يفحص وهو ساكت، وكل ما يمر الوقت، ملامحه كانت بتتقبض وتتحول لجمود مرعب.

طلع المنظار، وقلع الجوانتي ببطء شديد، وبصلي بنفس النظرة اللي حفظتها زمان، وقال:

“للأسف يا أستاذ كريم، التهاب مزمن وتحور عنيف في خلايا الأحبال الصوتية ناتج عن صدمة عصبية وإهمال شديد.. فيه أورام ليفية واكلة نص الحنجرة، ولازم استئصال كامل للأحبال الصوتية خلال 48 ساعة عشان نلحق نوقف انتشارها”.

بصيت للدكتور وأنا مش مستوعب. حاولت أتكلم، حاولت أسأله، أصرخ فيه، بس كل اللي خرج من حنجرتي كان فحيح مكتوم وتافه.. نفس الفحيح اللي كنت بقرف منه زمان.

خرجت من المستشفى تايه في الشوارع تحت المطر. كنت بضحك بهستيريا ودموعي نازلة تحرق في خدي.

العقاب مكانش مجرد ندم، العقاب جه من نفس الباب اللي ظلمت منه. أنا اللي كنت بتباهى بصوتي وحضوري ولبقاتي، هعيش بقية عمري أخرس، أكتب في كشاكيل زي ما هي كانت بتكتب، وأستنى شفقة الناس ونظرات فضولهم اللي كنت مرعوب منها.

رجعت الشقة، قعدت على مكتبي، وطلعت نفس الكشكول الأزرق بتاع فريدة. مسكت القلم بإيدين بترتعش، وفتحت الصفحة اللي بعد كلامها الأخير، وكتبت سطر واحد بس قبل ما أدخل العمليات:

“الذنب مكنش في صوتك يا فريدة.. الذنب كان في روحي اللي كانت صماء وعمياء من البداية”.

العملية خلصت، وخرجت منها وأنا مش حاسس غير بفراغ بارد بيبلع زوري، وثقب صغير في رقبتي بتنفس منه بالعافية.

أول ما فوقت من البنج، حاولت أنده على الممرضة.. فتحت بوقي، بس مفيش ولا ذرة صوت طلعت، حتى الفحيح البسيط اللي كنت بتكلم بيه اختفى تماماً. الصمت بقى هو لغتي الإجبارية لبقية عمري.

الدكتور دخل، طبطب على كتفي بنظرة شفقة كنت بموت من مجرد تخيلها، وسابلي كشكول أبيض وقلم فلوماستر أسود على الكومودينو وقال بهدوء: “ده وسيلة تواصلك من هنا ورايح يا كريم.. حمد لله على سلامتك”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *